في هذا المقال تختتم «البيان» ما نشرته على مدى أيام رمضان من مقالات قدم فيها مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.
ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.لولا زوجته التي أعانته طيلة ثمانية عشر عاماً، ليتفرغ لدراسة التراث العربي الإسلامي لما تمكن من إنجاز ما أنجزه هذا المستشرق الكبير الذي انتمى إلى الأندلس، روحاً وعقلاً، وهو في عقر داره في هولندا. اشتهر المستشرق الهولندي المعروف، رينهارت بيتر آني دوزي بأبحاثه حول تاريخ العرب والأندلس في إسبانيا، واهتم بالمعاجم والأزياء العربية.
وهو من أصل فرنسي، هاجرت عائلته إلى هناك، واستقرت في ليدن، وهذا ما جعله يترجم عدداً من المخطوطات العربية إلى الفرنسية لكن أهم كتبه ألفها باللغة الألمانية. وانصرف اهتمامه إلى تأليف المعاجم، فألف في مجلدين كبيرين بالعربية والفرنسية معجمه الشهير «ملحق بالمعاجم العربية». كرس حياته لدراسة الأدب العربي وتاريخ المسلمين في إسبانيا.
ويعتبر كتابه هذا خلاصة 40 عاماً جمع فيها دوزي ما لم يرد في المعاجم العربية القديمة التي وقفت عند حدود معينة من الزمان والمكان كذلك تناول ما جاء في معجم المستشرق المعروف هانس فير مبيناً انه أورد كثيراً من الألفاظ العامية التي وجدها في المصادر التي اعتمد عليها.
تاريخ المسلمين في إسبانيا
أهم إنجاز حققه دوزي في تحقيق تراث المغرب والأندلس هو: المعجب لعبد الواحد المراكشي، والأجزاء الأولى لكتاب المغرب لابن عذاري، وألف كتابه المشهور «تاريخ مسلمي إسبانيا».
ومن خلال وصفه للعرب، يعتقد البعض أنه تحامل عليهم وخصوصاً أثناء الحديث عن الثأر، لكنه في حقيقة الأمر، قدم وصفاً دقيقاً لحياتهم: «ظهر قوم جدد على ساحة العالم؛ وهم قبائل لا تحصى كانت متفرّقة ومتناحرة في أغلب الأحيان قبل ذلك التأريخ؛ وكانت تلك هي المرّة الأولى التي اتحدت فيها تلك الأقوام فظهر من اجتماعهم قوم جدد يحبّون حرّيّتهم حبّاً مُفرطاً؛ بُسطاء في أكلهم وملبسهم. قومٌ نجباء، مِضيافون نشطون، يمتازون بالفراسة والمرح والمزاح في الحديث، وكانوا في الوقت نفسه سرعان ما يستشيطون غضباً».
وقدم في كتابه مراجع تاريخية وجغرافية إسبانية تدرج فيها أسماء أماكن وأعلام عربية الأصل، وفهرس المؤلفات المختصة باللهجة الأندلسية وباللهجات العربية. أما ما يتعلق باللهجة الأندلسية، فإنه حاول أن يجمع معلوماتها المشتتة في المراجع المذكورة أعلاه وألف وصفاً شاملاً لمميزاتها سماه «ملخصاً»، لأنه لم يقصد الاستيفاء بتأليفه. لكن كتابه يعتبر بحق بانوراما لحياة وثقافة المسلين في إسبانيا، قدمها المستشرق بكل موضوعية.
العثور على «طوق الحمامة»
في مجال الأزياء العربية، يعتبر كتابه «معجم أسماء الأزياء المفصل عند العرب»، من أهم الكتب في هذا المجال فابن خلدون رأى في الحياكة والخياطة صناعتين ضروريتين في العمران، وهي مستوحاة من مذاهب الحضارة وفنونها وأن تطور الحضارة الإسلامية قد ساعد على ظهور صناعات ووظائف متنوعة، ارتكز معظمها في بغداد التي تزايدت فيها تجارة أقمشة الحرير والديباج الجميلة.
أما في بلدان الغرب الإسلامي، فقد حدث نقيض هذا؛ إذ اختلط العرب بالموريسكيين والبربر حيث كانت هذه الشعوب تعيش عيشة قاسية ومتقشفة، كما أنها كانت أقل ثقافة من ثقافة المنتصر.
وقد رتب دوزي «القاموس المفصل لأسماء الملابس عند العرب» ترتيبا أبجديا، حيث يورد أسماء هذه الملابس متسلسلة حسب الحروف الهجائية. (صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن وزارة الثقافة والإعلام العراقية في بغداد بترجمة د. أكرم فاضل عام 1971).
ويستنتج أن امتزاج العرب بالأجانب ولد اختلافات وتنوعات كثيرة بين أزياء الشعوب التي كانت تشكل الإمبراطورية الإسلامية. ويؤكد أن الملك فيليب الثاني منع الموريسكيين من ارتداء زيهم القومي.
ويرى المستشرق أن الحلاقة والزينة والحلل والملابس الملونة والأحذية كانت مختلفة جداً في بلدان أخرى من العالم الإسلامي، وهناك فروق بين الأزياء الموجودة في فاس وتلمسان وتونس ومراكش. كما توجد أيضاً اختلافات كبيرة بين أزياء الطبقات الاجتماعية التي يتألف منها المجتمع الإسلامي.
ويرى أن نوعية الملابس الموجودة بالمشرق الإسلامي ذات قيمة واحترام وتقرب بالنسبة للشخص الذي يرتديها. إنها قد ترفع من شأن صاحبها أو تحط منه في المجالس واللقاءات والعلاقات وبين الكبار والوجهاء.
ووصف رينهارت دوزي الكوفية بقوله «انها منديل مربع يلبس فوق الرأس وطولها ذراع وهي من ألوان مختلفة كالأبيض والأحمر والأخضر وبعضها فيه أهداب وشرائط». ووصفه يشير إلى الكوفية ذاتها المستعملة في البلدان العربية والخليج.
العثور على «طوق الحمامة»
اكتشف دوزي «طوق الحمامة» الذي ألفه ابن حزم في شبابه، في عام 1841 حيث عثر على نسخته الوحيدة في مكتبة جامعة ليدن بهولندا، فعكف على دراستها وأفاد منها كتابه (تاريخ مسلمي الأندلس) الذي نشره عام 1861 فأقبل المستشرقون الإسبان على الاحتفاء بهذا الكتاب.
ومن هذه النسخة، انطلقت الترجمات الأخرى في اللغات الأوروبية. وترجمها إلى الإسبانية غرسيه غومث، وقدم لها الفيلسوف الإسباني الشهير أورتيجا إي جاسيت، وصدرت الطبعة الأولى منها عام 1952.
وكانت مخطوطة طوق الحمامة في جامعة ليدن بين المخطوطات الغزيرة التي جلبها فون وارنر في القرن السابع عشر من الاستانة. ويقول دوزي، معلقا على غرام ابن حزم في كتابه «تاريخ مسلمي إسبانيا»:
«يلاحظ في هذه القصة ملامح عاطفية رقيقة غير شائعة بين العرب الذين يفضلون بصفة عامة الجمال المثير والعيون الفاتنة والابتسامة الساحرة والحب الذي كان يحلم به ابن حزم يختلط بما هو حسي وجذاب لكن فيه أيضاً ميلا إلى ما هو أخلاقي من رقة بالغة واحترام وحماسة من يأسره جمال رائع وديع فياض بالكرامة الحلوة».
شاكر نوري


