عودة إلى إلى فترة زمنية ليست بالبعيدة، وتحديداً إلى جيل آباء اليوم، الذين عايشوا مع آبائهم في السنوات الماضية أجمل القصص والمواقف، وهم الذين تشربوا من عين الماضي سمات كثيرة محورها المحافظة على الأصالة وعلى التراث وعلى كل ما يمت للأجداد بصلة..
هؤلاء الآباء يمثلون اليوم حلقة وصل متأرجحة بين جيلين، جيل تعلموا منه أسباباً كثيرة من الثبات والتعلق بتفاصيل أصيلة في المناسبات الدينية والاجتماعية، وآخر يتفلت بأفكاره وتقاليده وأحلامه عن كثير من ماضي الآباء.وبحسب ما يؤكد الآباء فإن أكثر ما يخشونه على أبنائهم في زمن جفت فيه علاقات الترابط والتواصل والتراحم، هو انسلاخ الشباب الصغار عن حدود مجالس آبائهم وأجدادهم الكبار، وبُعدهم عن مخالطة المجتمع المحيط، وارتباطهم بالمغريات المادية على حساب السلوكيات الاجتماعية الحميدة، وتلك الملامح كما يؤكد الآباء المستطلعون هي خير ما ورثوها عن مجتمع الآباء في الماضي، حيث يحرص كل أب وأم على منح أبنائه مزيداً من أسباب التعلق بمجتمعه ومحيطه القريب، وذلك رغم محاربة أدوات الحاضر ومغرياته لذلك التوجه بشراسة.
احترام الوالدين
يقول سالم القصير، نائب مدير الجامعة الأميركية في الشارقة للشؤون العامة، إن أهم ما تعلمه هو وأبناء جيله في الماضي القريب، صلة الرحم واحترام الوالدين، ولذلك فهو يخشى من جيل اليوم أن يتوه عن مثل هذه الخصال، مؤكداً أن المسألة اليوم تبدو أكثر تعقيداً عما كانت عليه في السابق، والأمر يتعلق بانشغال طرفي العلاقة الآباء وأبنائهم الشباب.
حيث يموج الجميع اليوم في ماديات الحياة والوظائف والعمل، بينما تتضاءل في المقابل فرص التقاء العائلة للتأكيد على ملامح توارثت من الماضي، فسابقاً كانت الأم في البيت تؤدي مهام زوجها في حال انشغاله، بينما اليوم تجد أن الأمهات منشغلات كذلك إما في العمل أو أمور البيت، ونادراً ما يجدن الفرصة مواتية لمنح الأبناء ثقة المحافظة على ماضي الآباء والأجداد.
المشكلة التي تواجهها العائلات مع أبنائها الشباب اليوم على صعيد المحافظة على العادات والتقاليد الأصيلة، تكمن من وجهة نظر سالم القصير في أن كثير من العائلات تحولت في شكلها إلى الأسر النووية .
وذلك على حساب العائلة الممتدة، فيما طغى جانب التفكير المادي على الأبناء وبشكل ملحوظ، وأصبحت التقنيات شريكا أساسيا في التربية وهي تسطع في البيت والسيارة ومكان العمل، وفي ظل مثل هذا الواقع، لا بد على الآباء أن يمنحوا أبناءهم مزيداً من جسور الثقة والتواصل الإيجابي.
والمحافظة على التواجد في مجالس العائلة والآباء وكبار السن، فمثل تلك التصرفات تستعيد لدى جيل الأبناء ملامح جميلة لا بد وأنهم سيفخرون بها، وسيحاولون جاهدين التشبث بها في حياتهم، وهذا ما يفعله سالم القصير مع أبنائه وأقاربه بشكل متواصل للمحافظة على توريث الأجيال سمات إيجابية تجذرت لدى المجتمع الإماراتي جيلاً بعد جيل.
المادة والاستهلاك
أما الدكتور إبراهيم الحوسني، وهو إعلامي متقاعد وأستاذ مساعد للاتصال الجماهيري في جامعة أبوظبي، فيؤكد على أن الواقع المادي طغى إلى حد ما على الحياة الاجتماعية والأسرية لدى قطاع كبير من العائلات، واليوم أصبح جيل الشباب مهووساً بالاستهلاك المادي أكثر من أي شيء.
وهذا السلوك أتى على علاقتهم بالمحيط الاجتماعي، والمسألة محكومة بشكل أساسي في مقدرة الجيل الجديد على الحصول على المال بأسباب يسيرة، حتى أمست حياتهم مفعمة بملامح الإسراف والاستهلاك واللهو بعيداً عن أجواء العائلة الممتدة، أو حتى البقاء في خانة التواصل مع الأقارب والأصدقاء وكبار السن.
تلك المتغيرات هي ما يخشاها الدكتور الحوسني من أن تسطو أكثر وتبرز على حساب ما تبقى من ملامح أصيلة، فتمسي العلاقات الاجتماعية في دائرة الإهمال والتلاشي، مشيراً إلى أنهم كجيل يجسد دور الأبوة حالياً تربوا على ممارسات إيجابية كثيرة، لعل في مقدمتها المحافظة على النعمة .
كما يقول، وتلك المسألة تبدو اليوم بعيدة عن جيل الشباب وهو ما يقلق الجميع بالنظر إلى عائلات المستقبل القريب، كيف لا والمجتمع اليوم يتمادى في تجسيد أشد ملامح الاستهلاك، وقد تحولت السلع بأصنافها الكثيرة إلى الأداة الأسهل التي تطرق البيوت والشركات والشوارع والمساجد وأكثر من ذلك الموبايل، فكل ما يحيط بالفرد اليوم يرفع شعار الاستهلاك عالياً وتلك مصيبة كبيرة تشكل خطراً محدقاً بالأجيال المتعاقبة.
كبار السن
إسماعيل النوبي مدير مدرسة أحمد بن راشد للتعليم الأساسي، يرى أن المشكلات اليوم والتي لم تكن موجودة منذ سنوات قليلة ماضية أصبحت معلومة للجميع وهي تهدد كل بيت، فلا أحد يخفى عليه عالم البلاك بيري ومشكلاته التي لا تنتهي، وتلك ربما أخطر ما يتهدد الشباب اليوم.
مشيراً إلى أن الدور الأكبر يقع على عاتق الآباء الذين من المفترض أن يمنحوا أبناءهم مزيداً أو ربما شيئاً من الوقت، حتى لا يجدونهم بعد سنوات قليلة تائهون في عالم التقنيات غير المحدود، ولا بد في هذا الإطار من الالتفات إلى دور المجالس ومخالطة كبار السن والشواب تحديداً، فمن تبقى من جيل الماضي يعادلون في الواقع مدارس لتعليم أساسيات النجاح في الحياة.
وبالنسبة للدكتور أحمد الخياط الخبير التربوي بوزارة التربية والتعليم، فهو يؤكد أن الحياة التي عاشها الشباب منذ عقود قليلة تختلف عما هو معاش حالياً، وهذا الاختلاف أدى إلى التأثير في سلوكيات الشباب وأسلوب حياتهم، فما نراه اليوم من سلوكيات مرده إلى أسباب كثيرة أخذت جيل اليوم عن مراعاة قيم المجتمع، لافتاً إلى أن شباب الأمس استفادوا في صغرهم من أشياء كثيرة ربما يفتقدها جيل اليوم بالرغم من أن معيشتهم في السابق كانت مرهقة وتخلو من الرفاهيات التي يتوه فيها شباب اليوم.
العائلة الممتدة لعبت دوراً مهماً في تنشئة الابناء
يوضح الدكتور أحمد الخياط أن خبراء علم النفس شددوا على أهمية الفترة السنية من عامين إلى ستة، فالطفل يحتاج إمكانات بيئية تتمثل في الجو الاجتماعي والمواقف الإيجابية الغنية بمصادر الخبرة المنتظمة، وهو بأمس الحاجة إلى الأم الواعية، وتلك الملامح كانت متوفرة لدى جيل الماضي، أما اليوم فأصبحت الخبرة التي يتلقاها الطفل محصورة كثيراً بالخادمة، وقد انحسر دور الأم مثلما ابتعد دور الأب أيضاً.
وسابقاً كما يضيف الخياط كانت فترة الطفولة غنية بأسباب التنشئة الاجتماعية القويمة، فالأب والأم والجد والجدة والعم والخال، جميعهم ظلوا يشتركون في تربية وتوجيه الأبناء، أما اليوم فقد غابت تلك النصائح والتوجيهات ربما لآن هناك قناعات بأنها لن تجدي مع أفكار الجيل الجديد، وشباب اليوم يعيشون حياة الرفاهية .
وكل شيء في متناول اليد، وهم غير قادرين على تنظيم أوقاتهم أو الالتفات إلى بعض السلوكيات والممارسات التقليدية الجميلة، والسبب أنهم منشغلون في ما لديهم من أسباب ووسائل التواصل البديلة، مثلما أن الأبوين يجسدان إلى حد ما دور الغائب في مسلسل التنشئة والتربية والإبقاء على العادات الأصيلة قائمة في مفكرة الأبناء.
دبي ـ عنان كتانة

