لسنوات ماضية كثيرة، ظل عيد الإمارات مفعماً بمعاني الود والتواصل والتزاور والتقارب الاجتماعي، وهي الملامح التي استمرت تكلل سمات العيش في إمارات ومدن ومناطق الدولة الكثيرة..

ملامح يحرص عليها جيل الآباء والأجداد حدَّ التبني، ويتمناها جيل الشباب أجواءً دائمة لمجتمع غاص كثيراً في روتين العيش العصري وما ينضوي تحت لوائه من أسلوب عيش وحداثة ووظيفة وعمل وانشغال، حتى أمست ملامح العيد مقتصرة نسبياً على طقوس من الماضي وقد حصرت في حضرة رب الأسرة الكبير في السن، وهي لا تدوم إلا لساعات قليلة قبل أن ينسلخ عنها كثيرون مبتعدين عن واقع اجتماعي انتعش في رمضان وسطع قليلاً في عيد الفطر المبارك ثم تلاشى.الشباب هم دائرة الحديث دائماً طالما أن الأمر يمس في محوره جوهر العلاقات الاجتماعية الملقاة على شماعات العصر الحديث، يجمعون على قصور اجتماعي يطال ملامح اجتماعية ضمن مناسبة هي الأقرب إلى النفوس مثل رمضان والعيد، فالانشغال يتربص بالجميع وهو يقودهم إلى التخلي ولو مؤقتاً عن ملامح كانت حاضرة في الأيام القليلة الماضية، ناهيك عن تنحي البعض عن الحضور والمشاركة الفعالة في الاحتفال الاجتماعي التقليدي خلال العيد، والسبب يتحدد نسبياً في المولات والمقاهي والسينما ورحلات الصداقة.

محمد ناصر من الشارقة يقول إن مفاهيم كثيرة في هذه الأيام غيرت بالنسبة لجيل الشباب تحديداً من الواقع الواجب أن يلتصق بالعيد، وهناك مظاهر حديثة أخلت في أسلوب احتفال الكثيرين خلال العيد، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من الشباب يحرصون في ساعات مبكرة من العيد على التجمع واللقاء في المراكز التجارية والمقاهي أو سواها، وهو ما يأتي على حساب المحافظة على عراقة التقاليد الإماراتية المتوارثة.

ويؤكد ناصر حرصه على مشاركة العائلة والأصدقاء دائماً في احتفالات دينية واجتماعية محببة إلى النفوس ولا سيما خلال عيد الفطر السعيد، حيث يهتم بمجالسة أفراد أسرته وأقاربه وجيرانه، وزيارة أرحامه في كل مكان، قبل أن يمنح لأصدقائه متسعاً من الوقت للبقاء في قالب احتفالي لا يخرج عن حدود العادات والتقاليد الإماراتية المتوارثة.

انشغال تقليدي

ذلك الواقع يؤكده مسعود محمد من دبي ويضيف أن المشكلة الأهم تتلخص في أن الكثيرين يحرصون على التجمع في اليوم الأول وقليلاً منهم يواصلون في اليوم التالي، ثم ينسلخون جميعاً إلى الوظيفة والعمل والانشغال التقليدي الذي أمسى سمة عامة تجتاح الشارع الإماراتي للأسف.

معتبراً أن الجميع يود لو أن سمات التواصل والتقارب العائلي والاجتماعي تدوم أكثر من ساعات عابرة، خصوصاً وأن الحسرة على فراق الشهر الفضيل تبدو ظاهرة على الوجوه طالما أن الواقع يؤكد غياب اللمة العائلية وانشغال مبكر في العمل والوظيفة، وهو ما لا يبدو مقبولاً للنساء أو الرجال، ولا سيما كبار السن.

أما علي محمد سعيد فيشير إلى أن عيد الفطر المبارك والذي تختتم فيه أيام صوم جميلة ومفعمة بملامح الشعور الجماعي، لا بد أن يظل منتشياً بأجواء التقارب والتواصل بين الأقارب والجيران والأصدقاء والأجيال المختلفة، ولكن الحاصل أن السمات التي تعايش معها جيل الماضي من الآباء والأجداد لم تعد نفسها التي يحياها جيل الشباب، حيث تلحظ منذ اليوم الأول من العيد تجمعات شبابية في المولات .

وعلى أبواب المقاهي والسينمات وحتى في الرحلات التي تجمع الأصدقاء، وتلك المؤشرات لا تخرج عن كونها ملامح سلبية حديثة اقتحمت أجواء الحياة الإماراتية، فأمست الفجوة بين جيلين تزداد شيئاً فشيئاً.

خليفة السويدي من الشارقة يرى أن الأجواء التي تظلل واقع المجتمع الإماراتي في مناسبة العيد أو حتى في شهر رمضان المبارك، تبدو إلى الآن مطمئنة ومبشرة بتواصل إيجابي بين جيل الأولين والشباب الذين وجدوا أنفسهم في عالم منفتح في كثير من تفاصيل الحياة، وهو يلحظ في «فريجه» بمنطقة الخان، العديد من الشباب يقتربون من آبائهم وأجدادهم ويستمتعون في أجواء المعايدة والسلام على الأقارب والجيران والأصدقاء.

ويؤكد من جهة أخرى أن للمولات والمقاهي والتجمعات الشبابية نصيب من عيد الشباب في الإمارات، ولكن ذلك لا يكون على حساب المحافظة على أصول المعايدة والبقاء مع الأهل والأقارب.

أجواء مختلفة

يوسف السيد الاختصاصي الاجتماعي في مدرسة محمد بن راشد الثانوية في دبي يرى أن أجواء العيد اختلفت كثيراً لدى الشباب الإماراتيين في فترة ما قبل عشرين أو ثلاثين عاماً وهذه الأيام.

والسبب يتحدد في دخول ملامح جديدة كثيرة على المجتمع الإماراتي، ففي السابق كانت في دولة الإمارات 20 جنسية أو أقل، أما اليوم فتجد أن الدولة تزدحم بأكثر من 200 جنسية، وهو ما فرض أسلوب عيش مختلف نسبياً وبالتالي حتماً سيتأثر الشباب الذي يجد نفسه منجذباً إلى المولات والمقاهي وأماكن الترفيه التي لا تحصر، وذلك الواقع أتى بالتأكيد على ملامح اجتماعية إماراتية متوارثة، وكانت إلى حد قريب ثوابت لا يقبل الجميع العيش من دونها.

تقاليد اجتماعية راسخة في المناطق النائية

أجواء العيد كما يصفها خميس الدهماني من منطقة المنيعي التابعة لإمارة رأس الخيمة، تبدو أكثر تشبثاً بالأصالة لدى أهل منطقته، حيث يؤكد أن الحياة الاجتماعية في المناطق النائية لا تزال تحافظ على جوهر العلاقات الأصيلة، فالجميع هناك يحرصون على زيارة بعضهم البعض وصلة الأرحام والمشاركة على مائدة واحدة، فيما لا يجد الشباب مكاناً آخر يأخذهم بعيداً عن طقوس حفظوها عن ظهر قلب وهم يجالسون كبار السن باستمرار.

ويوضح الدهماني أن سكان البلدات الصغيرة والمناطق النائية لا يزالون يحفظون للعيد أجواء تقليدية متوارثة ربما بشكل يفوق نظرائهم في المدن الكبيرة التي تواكب ركب الحداثة، لافتاً إلى أن الجميع هناك يحرصون على إمضاء غالب وقتهم في حضرة الجماعة وفي ظلال العائلة، ونادراً ما يفكر الشباب في الخروج من هذه الأجواء أو الذهاب إلى المولات والمقاهي والسينما في المدن الكبيرة، وفي الغالب يحرص الجميع على البقاء مع العائلة، حيث تجد في نهاية الاحتفال بالعيد خروج العائلات إلى الحدائق وبعض المناطق المجاورة.

دبي ـ عنان كتانة