ميلان كونديرا الكاتب الفرنسي الجنسية التشيكي الأصل، يعتبر من أهم الكتاب العالميين المعاصرين. فر إلى فرنسا في العام 1975 بسبب الظروف السياسية في تشيكوسلوفاكيا آنذاك، وحصل على الجنسية الفرنسية في العام 1981.

لمع نجمه، وخاصة بكتاباته المعادية للشيوعية، لكنه توارى نسبيا عن الاهتمام تدريجيا بعد نهاية الحرب الباردة. والآن يعود كونديرا لاستقطاب الاهتمام العالمي بكتاب جديد، كمدافع، لا يكل ولا يمل، عن الفن في عصر يعتبر أنه لم يعد يعرف قيمة الفن والجمال.

الكتاب الجديد الذي يقدمه متضمنا مجموعة من المقالات عنوانه (مواجهة)، وهو عبارة عن كتاب تتوالى فيه المرثيات والاحتفاليات. ويتحدث فيه كونديرا بمزيج من الانفعالات والأفكار، التي تميز كتاباته، عن فنانين، يعتبر أنهم لا يزالون مهمين وأن أعمالهم تساعدنا في فهم العالم، وماذا يعني كوننا آدميين. ويقول فيه إن الفن هو سلاحنا في مواجهة الشر والجانب المظلم من طبيعة الإنسان.

ومن بين هؤلاء الفنانين، الذين يعيد كونديرا النظر في أعمالهم، كتاب ورسامون وموسيقيون. وهو على سبيل المثال يدافع عما يوصف بقبح فرانسيس بيكون، ويقارنه بصمويل بيكيت. كما يدافع عما يسميه (آركنوفيل) وهو أسلوب يجده في كتابات هيرمان بروخ، ويتصدى للاتجاه الحديث نحو (اللارواية).

فن لا سياسة

وعلى الرغم من، أو ربما بسبب، الضغوط السياسية، التي عاشها وشكلت بدايات حياته وأعماله، يصر كونديرا على أن الرواية يجب أن تكون عملا فنيا، وليس بيانا سياسيا أو أيديولوجيا.

أعماله توصف دائما بأنها (روايات أفكار)، ويرفض هو أن تسمى (روايات فلسفية). وقد قال في لقاء صحافي ذات مرة إن: (هناك مشكلات ميتافيزيقية، وراء الطبيعة، ومشكلات وجود إنساني، لم تحط بها الفلسفة بالدقة المطلوبة، على الإطلاق، ولا شيء غير الرواية يستطيع أن يحيط بها).

كان كونديرا أحد الأدباء التشيك، الذين استغلهم الغرب، في الدعاية المعادية للاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، أيام الحرب الباردة، فتبناه ـ منذ عام 1968 ـ أي بعد أحداث ما عرف ب(ربيع براغ)، وهي الحركة الإصلاحية قصيرة الأمد التي دعت إلى اشتراكية بوجه إنساني، والتي دحرها السوفييت في مهدها.

وقد سهل له الغرب الهجرة إلى فرنسا عام 1975، ومكنه من نشر أعماله، وروج له، ليس بوصفه روائيا مهما، أو كاتبا كبيرا، بل بوصفه مادة ملائمة للدعاية السياسية الغربية المعادية للاتحاد السوفييتي.

الطريق إلى باريس

الأعمال الثلاثة الأولى التي أنتجها كانت دعاية شيوعية محضة، على الرغم من أنها لم تكن تتوافق دائما مع المبادئ الاشتراكية الواقعية للدولة. لكن معارضته للقيود التي فرضت على الأدب في تشيكوسلوفاكيا أدت إلى اشتراكه في (ربيع براغ).

وكانت روايته الأولى بعنوان (المزحة)، وهي تحكي قصة شاب يلقى القبض عليه بتهم سياسية لأنه أرسل بطاقة إلى صديقته كتب عليها (التفاؤل أفيون الشعوب)، ساخرا من المقولة الشيوعية الشهيرة (الدين أفيون الشعوب).

استقر المهاجر التشيكي، الهارب من فظائع الشيوعية في بلاده، في العاصمة الفرنسية، باريس، وبدأ بالكتابة بالفرنسية، بعد فترة وجيزة من وصوله هناك. وفي فرنسا اكتشف «معنى أننا وصلنا إلى مرحلة ما بعد الفن، في عالم يشهد احتضار الفن، لأن الاحتياج للفن والإحساس به والتعلق به، أشياء تحتضر بدورها»، لكنه يرى أنه لا يزال هناك فنانون متميزون، روائيون وشعراء ومؤلفون موسيقيون ورسامون، يُبقون الفن على قيد الحياة.

يتمتع كونديرا بروح دعابة غير مباشرة يمارسها بذكاء. رواياته تصور عالما من الطقوس المنفلتة المزعجة، وحفلات الصخب الكارثية، والعلماء المجانين، والشعراء اللوامين لأنفسهم، الذين يصابون بداء ذات الرئة بسبب الحقد. بينما تعالج أعمال كونديرا قضايا جبارة عن الهوية الإنسانية، فهي أيضا تلعب على وتر الغموض والمواقف الساخرة والتناقضات.

وقال في حوار في العام 1980 إن: «الروائي يعلم القارئ أن يفكر في الكون من منطلق التساؤل. وهناك حكمة وتسامح في هذا الأسلوب للتفكير. وفي عالم مبني على اليقينيات المقدسة تموت الرواية».

ومنذ العام 1985 أصر كونديرا على إجراء حوارات مكتوبة فقط، وذلك بسبب شعوره أنه تم نقل أفكاره بشكل مغلوط أحياناً إلى اللغات التي ترجمت إليها أعماله، وهو يقول عن هذه النقطة بالتحديد في أحد الحوارات معه:

«للأسف، فإن من يقومون بترجمة أعمالنا، إنما يخونوننا إنهم لا يجرؤون على ترجمة غير العادي وغير العام في نصوصنا، وهو ما يشكل جوهر تلك النصوص. إنهم يخشون أن يتهمهم النقاد بسوء الترجمة وليحموا أنفسهم يقومون بتسخيفنا».

عصام بيومي