تطلق أجهزة الكمبيوتر المحمول الكثير من الحرارة، لهذا يلجأ البعض لاستخدام المراوح من أجل تبريدها، أو وضع وسادة لحماية الجسم من تلك الحرارة، التي لو لم تكن موجودة، لكانت المعالجات أنشط، ولطال عمر البطاريات بشكل أكبر، ولأمكن وضع الكمبيوتر المحمول في الحضن، دون الإحساس بالانزعاج، أو وضع الهواتف الذكية على الأذن دون أن تحرقها، لكن لا يمكن فعل الكثير حيال ذلك، حيث أن الحرارة مسألة طبيعية في الإلكترونيات.

لكن الحال قد تتغير قريباً، إذ يعكف العلماء على دراسة مواد جديدة تجبر الإلكترونات على المضي في مسارات دون أن تتعرض للاصطدام، وهذا يقلل من الحرارة الناتجة بشكل ملحوظ، حيث أن من المعروف أن الحرارة تنتج عن التقاء وتصادم تلك الإلكترونات، وقد لاحظ العلماء تلك المواد منذ خمس سنوات.

وهم الآن يجرون التجارب عليها للاستفادة منها بشكل عملي، وأسماها العلماء «العوازل الطوبولوجية»، وتمتاز تلك المواد بقدرتها على توصيل الكهرباء عن طريق تطويع خاصية في الميكانيكا الكمية موجودة في الإلكترون، تسمى خاصية الدوران اللولبي، وبخلاف الموصلات المعروفة، فإن تلك المواد قادرة على تشغيل أجهزة الكمبيوتر دون رفع درجة حرارتها.

يعتبر اسم هذه المواد، أي «العازلات الطوبوغرافية»، بحد ذاته غريباً، لأنها ببساطة موصلات، والعزل يتضاد مع التوصيل، ومن الناحية العملية فإن إلكترونات تلك الموصلات تلتصق بالذرة بشكل كبير، ولهذا فإنها تقاوم مرور التيار الكهربائي، أما على سطح تلك المواد العازلة فالصورة مختلفة، حيث نجد أن الإلكترونات تنزع، بشكل كبير، للاندماج مع التيار الكهربائي، لهذا سميت عازلات وهي، في الحقيقة، موصلات، إذن فهي موصلات من الداخل وعازلات من الخارج.

وقد لاحظ العالم الفيزيائي الألماني «كلاوس فون كليتزينغ» عام 1980 هذه الميزة الغريبة، الموجودة في بعض المواد الصلبة، وأجرى تجارب عليها للتيقن من صحة ملاحظاته، حيث أخذ صفيحة رقيقة من السليكون شبه الموصل للكهرباء،.

وبرّدها قريباً من الصفر المطلق، وسلّط عليها مجالاً مغناطيسياً من الأعلى، فلاحظ أن الإلكترونات بدأت تتجه نحو حافة الصفيحة، تماماً كما يفعل المتزلجون على الحلبات الجليدية، عندما يطوفون حول الحلبة دون الاقتراب من الوسط، وتعتمد قدرة المواد على التوصيل على عدد المسارات التي تتخذها هذه الإلكترونات، وتزداد بزيادة المجال المغناطيسي من حولها.

هذا الاكتشاف مكن فون كليتزيغ من أن يحوز جائزة نوبل للفيزياء عام 1985، على الرغم من أن اكتشافه، الذي يعد من الاكتشافات الأساسية والمهمة في الفيزياء، لم يرتبط بأي تطبيق عملي آنذاك، لأنه يتطلب درجات حرارة متدنية جداً، ومجالاً مغناطيسياً قوياً، وهذا لم يمكن توفيره في كل الأجهزة.

في عام 2005، تمكن العالمان تشارلز كين ويوجين ميل، من جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا الأميركية، من تحقيق نصف تلك المهمة، حيث كشفا أن هناك بعض المواد قادرة بشكل طبيعي على توليد مجال مغناطيسي حولها، وبالتالي تدفع بالإلكترونات في مسارات محددة بالاتجاه المطلوب.

وقد أشار «ليانغ كي» ورفاقه من جامعة كاليفورنيا في «سانتا باربرا» الأميركية إلى أن من الممكن أن نرى جزيئات أحادية القطب على سطح تلك المواد العازلة، وهي في هذا تشبه الأكسيونات، التي يعتقد الكثيرون أن المادة السوداء للكون مصنوعة منها.

من أقوى تلك المواد العازلة مادة تدعى «ماجورانا فيرميون»، ويدرس العلماء الآن إمكانية وضع شرائح من ماجورانا جنباً إلى جنب مع شرائح من الموصلات الفائقة التقليدية، لأنهم يرون أن ذلك سيشكل نتائج إيجابية، فيما يتعلق بسرعة أجهزة الكمبيوتر وتلطيف درجات حرارتها أثناء التشغيل الطويل لها. غير أن المعلومات في أجهزة الكمبيوتر، التي ستستخدم تلك المواد، ستكون هشة وعرضة أكبر للتأثر بالبيئة الخارجية، ما لم يبتدع العلماء ما يمكنهم من حمايتها بشكل فعال في المستقبل.