قد يبدو للوهلة الأولى أن الارتباط بين التنقيب عن النفط والطب معدوم، وأن المنقبين عن النفط لم يفكروا قط في الاستفادة من التطورات الطبية الفائقة في التحليل والعلاج في العصر الحديث، غير أن هذا التصور يفتقر إلى الدقة، حيث أن «نانو تكنولوجي» أو تقنية التصغير بدأت تشكل للمنقبين عن النفط نموذجاً يستحق الاحتذاء به في مجال التنقيب عن الذهب الأسود، باعتباره طريقة واعدة، تحمل الكثير من البشائر، مقارنة بالطرق التقليدية.
من المعروف أن مهندسي حقول النفط، في الغالب، يتوقفون عن محاولات استخراجه بمجرد نفاد الكميات المتدفقة منه، غير أن هناك كميات أخرى لم تستخرجها الحفارات، في هذه الحالة، تقع وسط ثنايا ومسام الصخور، وهذه الكميات قد تكون ضعف الكميات التي تم استخراجها بالحفار التقليدي، وتشير بعض التقديرات إلى أن احتياطيات النفط، التي لم تنجح الطرق التقليدية في استخراجها بعد من آبار النفط القديمة في الولايات المتحدة، تقدر بـ 360 مليار برميل.
هذه الكميات الضخمة تكون ملتصقة بجزيئات الصخور الرسوبية، تماماً كما تلتصق بقايا الدهون بالمقلاة، وجزء منها يتسرب عبر مسامات الصخور وثناياها بعيداً عن بركة النفط الرئيسية، وهذا، بحسب سين ميرفي، مدير مجمع الطاقة المتطورة في جامعة تكساس الأميركية، يجعل من استخراج تلك الكميات المتسربة أمراً في غاية الصعوبة.
تقنيات
أما التقنيات الحديثة المستخدمة في هذا المجال فتشمل الحفر في مناطق مختلفة للحصول على عينات، ما يتيح المجال للحصول على خريطة تفصيلية لتوزيع النفط، ضمن منطقة محددة، كما يستخدم العلماء التصوير الزلزالي للحصول على خريطة عامة للحقل النفطي، وهذا الأمر شبيه بما يفعله الأطباء حين يقومون بأخذ الخزعات من جسم المريض، وتصويره بالأشعة السينية.
في المجال الطبي تلتصق الجزيئات متناهية الصغر، المطلية بالمضادات الحيوية، بالخلايا السرطانية، فتجعلها ظاهرة للأطباء، وفي حقول النفط يمكن تطبيق الطريقة ذاتها، وهذا ما دفع بمجمع الطاقة المتطورة لاستثمار 30 مليون دولار في تطبيق تلك الطريقة، حيث يقوم العلماء بضخ الماء بكميات كبيرة لكشف النفط المختبيء، مع تزويده بالجزيئات متناهية الصغر من أجل كشف أكثر دقة.
ونجح جيمس تور، من جامعة هيوستون في ولاية تكساس الأميركية، في تطوير جزيئات تحتوي على طبقة من البوليمرات القابلة للذوبان في الماء، لكي تمنع الجزيئات من الالتصاق ببعضها، حتى لا يكبر حجمها، ويصبح من الصعب عليها النفاد عبر مسامات الصخور، كما تمت إضافة مركبات إلى جزيئات الهيدركروبون تنجذب نحو النفط فيمتصها.
في حالة عودة الجزيئات إلى السطح وهي خالية من تلك المركبات، فهذا يعني أن هناك كميات كبيرة من النفط في الأسفل، لأن النفط امتص المركبات المضافة لتلك الجزيئات، أما في حالة أنها عادت كما كانت، فهذا يعني أنه لا توجد كميات من النفط في الأسفل، أي أن كمية المركبات المفقودة من الجزيئات بعد عودتها تتناسب طردياً مع كميات النفط الخام المتوفرة في المكان.
تطوير
يتم نقل الجزيئات متناهية الصغر، التي أضاف إليها جيمس تور تلك المركبات، بالماء للأسفل، غير أن آيوسمان سين من جامعة بارك في ولاية بنسلفانيا، يسعى لتطوير جزيئات لا تحتاج لأن يتم ضخها عبر الماء، ولا تحتاج إلى ضغط عال للوصول إلى الطبقات الصخرية المعنية، لأنها ستنتشر عبر المحلول الملحي، المتشكل بشكل طبيعي، ومن ثم تنساب عبر المسامات الصخرية لتحديد النفط.
لا يزال هناك الكثير مما ينبغي فعله لتطوير تكنولوجيا الجزيئات متناهية الصغر في مجال التنقيب عن النفط، فتلك الجزيئات تكشف عن وجود كميات من النفط، لكنها لا تحدد المكان بدقة، أما في الحالات، التي يكون فيها مكان وجود النفط معروفاً ومحدداً، فإن الجزيئات متناهية الصغر تكون أكثر فعالية في مساعدة العلماء على استخراج النفط.
إعداد: يوسف جباعته
