في المقالات التي تقوم بنشرها «البيان» بدءًا من اليوم، وعلى مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.
ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية. ورث اللغة العربية من أبيه جيوسيبي الذي كان مكتبيّاً في أكاديمية دي لينتشي، والذي ألف كتابا مهما عن الشاعرة الخنساء التي ازدهر شعرها في صدر الإسلام. أراد غابرييلي أن تكون كتاباته عن التاريخ الإسلامي متاحة للعامة من الناس وأن يساهم في تعليم الإيطاليين والغربيين التاريخ الإسلامي.
لذا أصّر على نشر مقالاته في العديد من الجرائد والكتب الشعبية، وبذل جهدا خاصاً ليؤكد مقروئية كتاباته التي أعدّت للمتخصّصين، وتميّز بأسلوبه المرن والتعليمي. وكان مهتماً باللغة العربية وآدابها حتى عيّن كبير أساتذة اللغة العربية وآدابها بجامعة روما. صقلية.. نموذج للازدهاروباعتباره ايطالياً، فقد ركز أبحاثه عن فترة الحكم العربي في بعض مناطق أوروبا وخاصة في صقلية. ويقول في هذا الصدد: «أما فيما يتعلق بخصائص الحكم العربي - الإسلامي - في صقلية، والآثار التي خلفها لنا فيمكن أن نلاحظ ذلك من وجهة النظر الغربية والإيطالية».
ثم استشهد بالمؤرخ ( م اماري ) إلى الحكم الإسلامي في صقلية بقوله: (إن هذا الحكم يبدو إيجابياً ومفيداً لأنه بعث بدم جديد، وتغلغل في الكيان البائس لصقلية البيزنطية، والأهم من ذلك بسبب التغييرات التي أدخلها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الجزيرة، حيث ألغى الإقطاعيات الكبيرة وشجع تمليك مساحات زراعية صغيرة، وأحيا الزراعة الحقلية وأغناها بأساليب ومحاصيل جديدة).
ويضيف: (ومن جهة أخرى فقد كانت هذه الفترة هي بعينها التي بدأت فيها العملية الانتكاسية المتعلقة بإعادة الملكيات الزراعية الكبيرة، وذلك عندما ردت إلى الكنيسة ممتلكاتها الهائلة التي ازدادت ثراء بفضل تقوّى الملوك وسياستهم، كما ظهر الإقطاع الذي سيكون له أثر غير حميد على الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الفترات اللاحقة، ونحن مدينون لهذه الفترة العربية النورماندية بأقدم الوثائق التي سجلت فيها عقود كتبت باللغتين العربية واليونانية.
وتعبر هذه العقود عن الكدح المغمور والعنيد لفلاحي صقلية المسلمين، وعن الاتجاه الذي قد بدأ فعلاً، للتراجع نحو أنماط من الاقتصاد الزراعي الهابط اجتماعياً وتقنياً. وهكذا فغنى الفترة العربية تظل بالفعل أعلى قمة وصلت إليها تلك الجزيرة الكبيرة الواقعة في البحر المتوسط، سواء من حيث استثمار مواردها والحياة المادية المتعلقة بها) وأكد على أهمية تأثير الحضارة العربية والإسلامية على أوروبا، قائلاً:
«وتظهر الأهمية الحاسمة للفترة العربية في وجود ألفاظ عربية كثيرة متعلقة بالحياة الاقتصادية، حُفِظَت في اللهجة الصقلية، ونُقِلت إلى الإيطالية..وهكذا فإن الفترة العربية تظل بالفعل على قمةٍ وصلت إليها تلك الجزيرة الكبيرة الواقعة في البحر المتوسط ، صقلية سواء من حيث استثمار مواردها والحياة المتعلقة بها»(فرانشسكو غابرييلي: «الإسلام في عالم البحر المتوسط»).
النقوشات الإسلامية في الفن المسيحي
واشتهر فرانشسكو بمواقفه المعتدلة من التاريخ الإسلامي حتى إنه كتب عن صلاح الدين الأيوبي بوصفه بطلاً وشخصية عظيمة، بالرغم مما تعرَّضت له هذه الشخصية من تشويه في الكتابات الغربية المليئة بالتعصب والنظرة الأحادية.
وفي خضم استهداف الإسلام في أوساط غربية واسعة، عاد المؤرخون والباحثون يستقرئون مغزى استخدام الفنانين في العصور الوسطى الأوروبية الخط العربي والكتابات والنقوش العربية حيث تدلل 000على احترام عميق للقيم التي جاءت بها الحضارة الإسلامية في تلك العصور رغم احتدام الحروب معها.
ويقول أستاذ الفن في جامعة روما ماركو بوسالي:»إن بعض المستشرقين مثل فرانشيسكو غابرييلي، هو أول من حاول البحث عن معاني هذه الخطوط والنقوش العربية غير المفهومة التي تظهر في كثير من الأعمال حتى مطلع القرن الخامس عشر الميلادي». على عكس المستشرقين الآخرين الذين تجاهلوا هذه الكتابات ذات الدلالة البالغة.
وفي متحف مدينة بيزا، تظهر الكتابة العربية على الكرسي السلجوقي المسمى (عرش بطرس) والموجود بكنيسة (سان بيترو ان كاستيللو)، حيث يعود هذا الكرسي الخشبي إلى آثار دولة السلاجقة والذي جلب إلى مدينة البندقية إبان الحروب الصليبية بزخارفه العربية. وكان الغرب على الدوام تجذبه روحانية الشرق والتصوف الإسلامي.
صورة الحروب الصليبية
في كتابه «الحروب الصليبية كما يراها المؤرخون العرب»، يعطي نظرة إسلامية لغزو الأوروبيين في القرون الوسطى، حيث جمع بين 19 مؤرخاً من أجل أن يروي لنا سرداً تاريخياً لهذه الحرب عسكرياً ودبلوماسياً.
وفهرس بيبلوغرافيا مختصرة عن المؤرخين في بداية كتابه، مع شروحات قصيرة لعدد من المؤرخين العرب الذين كتبوا عن الحروب الصليبية، مجسداً مختلف ووجهات النظر إلى هذه الحرب. وإن أهم ما يميّز نظرة المستشرق الايطالي أنه قام بالتدقيق والتحقيق في بطون كتب التراث التاريخي العربي عن هذه الحروب ..ناقلا بأسلوب شيق، معتمداً على عدد من المصادر أبرزها:
ابن القلانسي» ذيل تاريخ دمشق» وابن الأثير « الكامل في التاريخ «، و ابن العديم « تاريخ حلب «، و أسامة بن منقذ بالإضافة إلى ابن شدّاد، وأبي شامة وعماد الدين الأصفهاني.. وعلى عكس رواية الغربيين المتعصبين، فقد سرد آراء المؤرخين العرب، بدون أية نزعة عنصرية أو مذهبية من شأنها أن تسيء إلى مجريات الأحداث التاريخية.
الفتوحات الإسلامية.. نظرة جديدة
وفي كتابه «محمد وغزوات الإسلام» يؤكد غابرييلي على أن النبي محمد(ص) استطاع أن يلم جميع العرب البدو الرحل ويحولهم إلى قوة كبيرة، بل يجعل منهم شهود عيان على الأحداث التاريخية وأن يبني أسس الدولة العربية التي تطورت إلى إمبراطورية واسعة الأرجاء.
وهو على عكس المستشرقين المتعصبين الذين حاولوا أن يفسروا الفتوحات الإسلامية انطلاقا من تاريخهم الأوروبي ونظرتهم المادية، التي يعتبرها بحثاً عن الغنائم والمكاسب المادية، ووصفوها بأنها كانت آخر موجات الهجرة من جزيرة العرب التي عرفت مثل هذه الهجرات في السابق حينما تضيق مواردها.
وركز المستشرق الايطالي على الدوافع الحقيقية للمسلمين في الفتوحات الإسلامية، وهي نشر رسالة الإسلام التي تدعو إلى تحرير البشر من العبودية للإمبراطوريات السابقة بل من كل أنواع العبوديات، وفتح الطريق أمام الدعوة إلى الدين الحنيف. وقد أثبتت الفتوحات نفسها مدى بُعد الغالبية العظمى من الجيش الإسلامي عن الطمع في الغنائم. وكان جنود المسلمين «رهباناً بالليل فرساناً بالنهار».
ولم يخطر للعرب قبل الإسلام أن يستولوا على ثراء الفرس والروم وهذا يؤكد أن الدافع لم يكن الفقر، فالفقر قديم عند العرب، بل كان الدافع هو الحرص على نشر دين الله. أما في شرق أوروبا فقد كان الصراع كبيراً بين البلغار المسلمين والخزر ـ يهود القوقاز ـ وفي ذلك يقول المؤرخ غابرييلي:
«كان ملوك البلغار الذين اعتنقوا الإسلام في بداية القرن العاشر الميلادي يعملون على تقوية الصلات مع الخلافة العباسية من أجل الحصول على دعمهم لمحاربة الأسياد الإقطاعيين الخزر الذي كانوا يفرضون سلطتهم على البلغار».
شاكر نوري


