معانٍ جميلة وفرحة عفوية تحملها أيام العيد، وروحانية شهر رمضان تلقي بظلالها على عيد الفطر، لتستمر بركة الشهر الفضيل في شهر شوال، ما ينعكس على نفوس الناس، فتتوطد العلاقات وتحلو اللقاءات والزيارات العائلية وتتعزز أواصر المحبة والألفة بين الناس.

جنبا إلى جنب مع انشغال العائلات بقضاء أوقات ممتعة في الحدائق والمراكز التجارية والأماكن العامة، فتحتفل الإمارات بعيد الفطر وتسودها مظاهر الاحتفال والبهجة، لتمتلئ المساجد بالمصلين وترتفع أصوات المهللين والمكبرين ناشرة رحيقاً طيباً يغطي ثنايا البلاد، فتعم أجواء احتفالية خاصة يشعر بها المواطنون والمقيمون والزوار في الإمارات، فتكتظ الشوارع بالناس، وتنشط حركة المطاعم والأسواق ابتهاجا بالعيد.

تفاصيل صغيرة لا تكتمل بهجة العيد إلا من خلالها، وللعيد في الإمارات مظاهر وعادات وتقاليد متوارثة عبر الأجيال، منها ترقب الأطفال للحصول على «العيدية» من الكبار، فالفرحة الحقيقية للعيد تكمن في عيون الأطفال، جنباً إلى جنب مع فرحة الأهل بلقاء الأحبة والناس سواء في مصلى العيد أو استقبالهم في بيوتهم.

ومن أبرز مظاهر العيد التحضيرات المسبقة التي ينشغل الناس بتأمينها لاستقبال العيد كارتداء الملابس الجديدة التي تعكس مدى فرحتهم بالعيد، وتجهيزات السفرة التي تحتوي على الأواني الجديدة والحلويات المعدة منزليا، إلى جانب الحلويات الجاهزة والمتنوعة والمكسرات.

وزينة الحناء بالنسبة للمرأة، كلها مظاهر احتفالية تطغى على الإمارات، وتدعو الناس لتوطيد العلاقات الاجتماعية، فتخيم الفرحة والسرور على الأهالي والأصدقاء، وتنحسر الضغائن والأحقاد وتنبذ الخلافات والمشاكل، فالبعض يجعل من العيد فرصة للتصافي والعفو عن الناس ونسيان الخلافات الماضية وعودة المياه لمجاريها بعد.

«المالح» في العيد

وقالت شيخة عبيد ـ ربة بيت ـ إنه على الرغم من انشغالنا بالتحضير للعيد مبكراً، إلا أنها أيام قليلة سرعان ما تنقضي لحظاتها تاركة ذكرى جميلة تمر على المسلمين كل عام، ولعيد الفطر في الإمارات برامج معينة نابعة من العادات والتقاليد التي لا يزال أفراد المجتمع الإماراتي محافظا عليها، فتتجدد مباهج العيد سنة بعد سنة وتبقى تفاصيل برنامج العيد في الإمارات متشابهة تتخللها مظاهر وفعاليات جديدة تتواكب مع التطورات التي تشهدها البلاد، وتبدأ المباهج في مصلى العيد.

حيث تلتقي جموع المصلين من الرجال والنساء سواء المواطنين والمقيمين من مختلف أركان العالم في الصباح المبكر في مساحات مفتوحة لأداء صلاة العيد، وهي من السنن الثابتة التي يحرص المسلمون في الدولة على تأديتها اتباعاً لعادات المسلمين الأوائل، ومن الناس من ينتهز تلك الفرصة للقاء الأحبة والأصدقاء والسلام عليهم، كما يحرص حكامنا الكرام على التواجد في مصلى العيد والصلاة مع الناس.

وبعد الانتهاء من تلك السنة المباركة يبدأ السلام على الأهالي والأصدقاء والأحبة، حيث يفضل البعض المرور على بيوت أهالي الفريج والجيران على عجالة لتقديم التهاني بالعيد، ما يعبر عن التمسك بعرى الصداقة والمودة بين الجيران في الحي السكني الواحد.

وأضافت: «تتنوع الأطعمة والمأكولات في العيد، ويبقى طبق الهريس من العناصر الأساسية التي لا تكتمل السفرة إلا بوجوده، ناهيك عن البلاليط ـ وهي من الأكلات الخليجية الخفيفة المعدة من الشعيرية، والعرسية وهي من أشهر الأصناف التي تقدم في الأعياد والمناسبات والمحضرة من الأرز والدجاج المهروس.

وهذا في الصباح، أما في وقت الظهيرة ومع اقتراب موعد وجبة الغداء، يحرص البعض على إعداد «المالح» باعتباره من الطعام الشعبي المفضل في العيد، وهو السمك المملح الذي يعتبر من أقدم الطرق لحفظ وتعليب الأسماك في الإمارات ودول الخليج على حد سواء.

حيث اعتاد الإماراتيون على تضمينه في السفرة خلال أيام العيد وذلك بعد التركيز في رمضان على اللحوم والحلويات، وللمالح نكهة مميزة في العيد»، مشيرة إلى أن النساء الإماراتيات يحرصن على شراء أوانٍ جديدة لتقديم الطعام، ومنهم من يجعل للعيد فرصة لتغيير مستلزمات التقديم واستبدالها بالجديد من عيد لآخر، على اعتبار أن الأسر تهتم بتنظيف المنزل وإعداد المفروشات وتزيينه وتلميعه وتعطير أجوائه بالبخور والعطور ليكون في صورة جميلة تتناسب مع حجم فرحتهم بالعيد واستقبال الزوار.

عيدية الصغار

من الطقوس القديمة التي لم تمحَ من ذاكرة الحياة الإماراتية والمحتفظة بنكهتها المتوارثة، نشاط الصغار في الصباح الباكر وانشغالهم بالتزين وارتداء الملابس الجديدة، وذلك تعبيرا عن ترقبهم لهذا اليوم، فيبدأون بتحية والديهم والحصول على «العيدية» منهم، لتباشر جولتهم في الفريج لجمع العيدية من الجيران وأهالي المنطقة، والرجوع إلى المنزل حاملين نقوداً معدنية وأوراقاً نقدية مختلفة الفئات.

وقالت أروى محمد ـ موظفة ـ إن الجميع يؤكد بأن العيد هو بهجة الصغار، فهم ينالون النصيب الأكبر من الفرحة والعيدية والحلويات إلى جانب استمتاعهم باللعب مع أقاربهم وأصدقائهم.

مشيرة إلى أن أفضل الذكريات لديها محصورة في العيد ولحظاته السعيدة التي قضتها في جمع العيدية مع بنات الفريج عندما كانت صغيرة، موضحة أن حلاوة العيدية تكمن في الحصول على «النيطان» الأوراق النقدية الجديدة التي تنبعث منها رائحة خاصة، ولا يزال الصغار في الوقت الراهن يفضلون الحصول على العيدية الجديدة حيث تكون العيدية مميزة عن باقي الأموال المتوفرة لديهم ويسهل تمييزها بسرعة.

واستطردت قائلة إن من المظاهر التي كانت تضيف للعيد فرحة وسعادة بالنسبة للأطفال، زيارة الأماكن السياحية كالحدائق، مشيرة إلى أن الألعاب في السابق كانت مقتصرة على أماكن معينة مثل حديقة الهيلي بالعين ومنتزه الجزيرة بالشارقة والليجر لاند بنادي النصر والسندباد بمركز الغرير بدبي باعتبارها من ابرز الأماكن الترفيهية بالنسبة لعدد كبير من العائلات في السابق، جنبا إلى جنب مع حديقة الصفا ومشرف، حيث كانت العائلات والجيران تتجمع للخروج في رحلات إلى الحدائق والمنتزهات والأماكن السياحية لقضاء أجواء جميلة وممتعة.

وقال نافع عبد اللطيف ـ موظف ـ إن العيد في الوقت الراهن يشعر به الصغار أكثر من الكبار، ولكن تبقى أهميته كبيرة في نفوس الجميع على اعتبار أن الزيارات تكثر فيه، وينشغل الجميع بالتحضير له، فتصدح المآذن بالتكبير والتهليل، وتعج الشوارع بالناس، كما يركز الناس على التجول في المراكز التجارية التي تتنوع فيها البرامج والفعاليات، مع استقطاب الألعاب الترفيهية من الخارج، ما يكثر الإقبال عليها من قبل المواطنين والمقيمين والزوار.

كما توجد شريحة من المجتمع تفضل قضاء أوقاتها في الحدائق العامة كما تنشط الأماكن السياحية كالفنادق والمطاعم ولعل أبرزها الممشى في جميرا بيتش ريزيدنس بدبي، إضافة إلى اهتمام الآخرين بالسفر إلى الخارج سواء لزيارة الأقارب أو لاستغلال إجازة العيد، ولكن تبقى للعيد نكهة جميلة يترقبها الناس من عام لآخر.

العيد في المنطقة الشرقية

حميمية العيد وخصوصيته البديعة تظهر في المنطقة الشرقية بالإمارات، حيث يحرص الناس هناك على تعزيز الروابط الاجتماعية وتمتينها باعتبارها من الموروثات والقيم الجميلة التي يحافظ عليها أبناء المناطق، وأشارت راية المحرزي ؟

رائدة في العمل التطوعي والديني والاجتماعي إلى أن المنطقة الشرقية تختلف عن المدن الأخرى باحتفالها بالعيد من حيث التماسك الأسري الذي يغلب على الحياة الاجتماعية فيها، ويتبين ذلك من خلال تبادل الزيارات والاستعداد للعيد من تحضير الملابس ذات الطابع المحلي الأصيل وتجهيز المجالس بالموائد الممتدة والواسعة، قائلة إن طقوس العيد في المنطقة الشرقية تبدأ بالذهاب لمصلى العيد الذي يضم النساء والرجال والأطفال في الصباح الباكر، وهي إشارة إلى فرحة الناس بالعيد وتجمعهم لسماع خطبة العيد وأداء الصلاة.

فالمصلى بحد ذاته يمثل نقطة التلاقي لجميع أفراد المنطقة، وبعد التفرغ منه يتوجه إلى مجالس الشيوخ لأداء واجب التهاني بالعيد ومن ثم يلتقون في منزل الوالد عبدالعزيز المحرزي، حيث تحرص بنفسها على إعداد «العيش واللحم» والهريس والخبيص وكل ما تشتهر به السفرة الإماراتية، فيصل الرجال في جماعات يلتقون في مجلس العائلة ومن ثم ينتقلون إلى مجالس الآخرين سواء أقربائهم وأصحابهم ومعارفهم.

وذكرت أن النساء في المنطقة الشرقية يتهيأون لاستقبال الضيوف من خلال ارتداء الأزياء الشعبية الأصيلة للإمارات، إلى جانب التزين بلبس الذهب احتفاء بأجواء ومباهج العيد، وعن نفسها تتحضر للعيد في وقت مبكر حيث تنشغل للبدء في مراسم الاستعداد من خلال ترتيب وتنظيف المنزل ليكون في أبهى حلة للاستقبال الضيوف، مؤكدة أنها اعتادت على استقبال مئات الضيوف الذين يحضرون إلى منزلها، حيث تهتم بذبح 10إلى 12ذبيحة في العيد، إلى جانب نحر البقر أمام واجهة منزلها وتوزيع اللحم على المارة، وهي من العادات الجميلة المتوارثة بالنسبة لعائلتها.

ومن أحلى اللحظات التي تشعر بها في العيد، التوجه إلى المصلى برفقة أسرتها صغاراً وكباراً وبعد الانتهاء من سماع الخطبة وتأدية الصلاة تتوجه إلى والدة زوجها التي بمثابة والدتها بعد وفاة أمها وتقبيل رأسها ويديها والجلوس معها.

حيث يحضر زوجها وأولادها وبناتها مع أبنائهم للسلام على والدتها كما ذكرت، وما هي لحظات حتى يعج منزل العائلة بالضيوف الذين تفرش لهم الموائد وتحضر «الفوالة» التي تتضمن الأكلات الشعبية الإماراتية والحلوى، مشيرة إلى أن الناس في الإمارات يحرصون على استقبال الأطفال «المعيدين» ممن يجمعون العيدية من البيوت ويرحبون بهم ويعطوهم العيدية.

كما تحرص على زيارة مجالس الشيخات التي تفتح أبوابها لاستقبال المهنئين بالعيد، قائلة إن فرحة الإمارات بالعيد تعتبر فرحة روحانية تغطي أنحاء الدولة وذلك لوجود حكام أفاضل يحبون التواصل المباشر مع الشعب، ما ينعكس على الناس في حبهم للآخرين اقتداء بالقيادات الرشيدة التي نعتز بها.

دبي - نادية إبراهيم: