تعد الكتابة في صفحات الثقافة والفكر والآراء والقضايا السياسية في.. الصحف العربية هكذا اتفق على تسميتها، أي الصفحات المظهرية التي تعكس مستوى عاليا من اهتمامات الجريدة اليومية بالثقافة والفكر بصفتهما عاملين ضروريين للارتقاء بالأفراد والمجتمع وبالتالي فهما في رأس أولوياتها. (البريستيج) تستقطب النخبة المثقفة والفكرية والسياسية في المجتمع.
وبقدر ما تريد الصحف اليومية توافر مثل هذه الصفحات ضمن بقية صفحات الجريدة، وتهيئ لها مناخا ومساحة وتمويلا (في شكل مكافآت للكتَّاب)، فإنها وبالقدر نفسه تنظر إليها مهنيا نظرتها إلى الجمل الأجرب الذي يجري عزله عن بقية الإبل، ساعة يستفحل مرضه، كيلا تنتقل عدواه إليها فتهلك كلها.
فأي إعلان مهما كان (رخيصا) وكانت مساحته، فهو بالنسبة لها أكثر قيمة وعليه فإنها ومن دون تردد تعمد إلى إلغاء تلك الصفحات وتأجيلها إلى أيام وأيام.
ومن أسف فإن صفحات (البريستيج) تلك، صفحات الثقافة والفكر، مسؤولة عربيا مسؤولية تامة عن نصف أمراض التضخم التي أصابت الذات وأشياء أخرى، لدى العديد من الكتَّاب والنقاد والأدباء والمفكرين وحتى المحللين السياسيين، بحيث يغدون بعد ذلك صالحين لكل شيء ما عدا العمل في ميدان الكتابة المعرفية والعلمية والفكرية الملتزمة بالإنسان وقضاياه، تلك الواضحة فائدتها وطبيعتها. فلا تعد تستطيع مع هؤلاء النفر كلاما، ولا ابتساما، ولا وصلا، فتشفق عليهم من الجنون الذي انحازوا إليه.
ترسل مقالك إلى إحدى تلك الصحف اليومية للنشر، فيقوم المحرر المسؤول بواجبه وينشره واضعا نجمة بجانب اسمك، إشارة إلى جر انتباه القارئ أن مزيدا من المعلومات عن هذا الكاتب أو ذلك، موجودة في الهامش أسفل المقالة، فتذهب إلى حيث النجمة/الإشارة فتقرأ الألقاب المجانية التالية:
(كاتب، ناقد، شاعر، قاص وروائي، باحث استراتيجي، متخصص في شؤون المنطقة..إلخ)، فتبدأ بالبكاء فرحا ثم تنتابك رعشة هستيريا تصبح بعدها على علاقة سيئة بالصحة.
إن هذا الاستسهال بمنح الألقاب الستة أو السبعة، قلما يجده المرء في صحافة عالمية، بل هي مقتصرة على الصحافة العربية وعلى نحو تكريسي فاقع، بحيث تفقد معها الألقاب معناها الحقيقي، وميزتها العلمية والدلالية واحترامها الأدبي، وتغدو ممجوجة وغير محتملة، بل أحيانا تأخذ إيحاء مهينا لكاتب المقال نفسه.
في هذه الحالة لا تعود المسألة على علاقة بالتهذيب أو الاحترام أو بالواجب لمهنة الكتابة شبه المقدسة، مهنة الإسهام الذهني والنفسي، الرسالي والبديع في الحياة، إنما تصبح في هذه الحالة على علاقة أوثق بعملية التسويق التجاري؛ تسويق الاسم ليكتسب ألفة بعد فترة قصيرة ويكرس لدى القراء والمهتمين، وبمرور الوقت يصبح علما يشار إليه بالبنان لتفتح له من بعد عدة أبواب.
هنا يُطرح سؤال بل أسئلة ربما: كيف تمنح الألقاب؟ ومن الذي يحق له منحها للآخرين أيا كانوا؟ وما المعايير التي يُستند إليها في هذه المسألة؟ إن الألقاب بصفتها مكانة اجتماعية، وجملة ثقافية تحمل دلالة ونقيضها، كما أشار الجرجاني، فإن هنالك مطبخا يكرس نفسه لابتداع مثل هذه الألقاب ومنحها مجانا لمن يريد ويبتغي ويرى فيه فائدة ما، وهذا المطبخ هو المسؤول كما قلنا عن نصف أمراض المثقفين والمفكرين والمحللين السياسيين.
جميلة الكتابة بلا ألقاب، بل الأجمل أن تمنحك الناس لقبا تراه يليق بك. لكن أمنية كهذه تندرج ربما في قائمة العاطفة والتمني وقد لا تكون عملية، لكون أغلبنا نحن العرب لم يعتد أن ينتظر الناس تمنحه لقبا يليق به على أعمال متميزة أثرت في حياة البشر، ليضفي عليها الزمن بمروره نوعا من الشرعية، وها نحن اليوم، نتفنن في ابتكار الألقاب ذات المعاني والدلالات، وبمرور الوقت يطغى اللقب على الاسم وخاصة نحن من نهوى الكتابة فأكثرنا يبدأ الكتابة بلقب وليس باسم صريح حتى يتكرس أسلوبه، وحتى يكتسب مهارة في الكتابة فتتحول بالبعض من الهواية إلى... البرستيج.
ناصر العمري ـ الإمارات