في هذة المقالات التي تنشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.
ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.
الضجة التي أحدثها المستشرق الأميركي، وأستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا ريتشارد بوليت لم تهدأ بعد في الأوساط الثقافية المحافظة التي تصّر على مهاجمة نظرياته بين الحين والآخر.
ويعود السبب في ذلك إلى قوله في عام 2005 :» بأنه لا يمكن فهم ماضي الغرب ومستقبله من دون فهم العلاقة مع الإسلام». وطرح مصطلحه الجديد الذي استخدمه لأول مرة: «الحضارة الإسلامية المسيحية» كبديل لمصطلح «الحضارة اليهودية المسيحية» التي توارثها الفكر الغربي.
وتتركز جهود هذا المستشرق في تتبع مسار انتشار الإسلام والمسيحية في أوروبا الغربية بدءا من القرن الثامن الميلادي لأن الفكر الغربي المحافظ ظل على الدوام يربط بين المسيحية واليهودية، ويستبعد الإسلام.
والمعروف أن العلاقة بين المسيحية والإسلام تصدعت بسبب الحروب الصليبية ولكن العلاقة ظلت مستمرة. ويرى أن تجربة محمد علي باشا وجمال أتاتورك سارت بشكل متواز مع ما كان يجري في الغرب. ومن خلال هذه الأطروحات، سعى ريتشارد بوليت إلى تسليط الضوء على المدرسة الاستشراقية الأميركية التي تتبلور على شكل اتجاهات رافضة لقوالب الفكرية الجاهزة.
المسيحية والإسلامية .. توأمان
ويتفاءل المستشرق الأميركي بالعلاقة بين الإسلام التقليدي والحداثة ولا يجد الطريق مسدوداً بينهما. وتختلف العلاقة الإسلامية ـ المسيحية عن العلاقة اليهودية ـ المسيحية، ولعل ذروة مأساتها وصلت في فظائع المحرقة اليهودية.
فيما لم تكن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين بمثل هذه القسوة على الرغم من عيشهما متجاورين. ويؤكد على أن المسيحيين والمسلمين في الشرق الأوسط مروا بتجارب مشتركة في فترات زمنية متقابلة.
ودعا المستشرق بوليت المؤرخين في كلتا الحضارتين إلى تبادل وجهات النظر من أجل إيجاد أرضية مشتركة، وخاصة بالنسبة للأميركيين، لتحويل اليوم التراجيدي المتمثل في الـ 11 من سبتمبر إلى «لحظة تاريخية للتفاهم الاجتماعي والديني». (الكتاب صادر عن دار النهار (ترجمة محمود حداد).
ويحاول المستشرق أن يجد الإرث المشترك بين الحضارتين ونقطة التلاقي بينهما، وان الإسلام قادر على أن يحاكي الغرب في مجال حقوق الإنسان والتسامح الديني لأنه يتضمن كل هذه القيم وسبق أن طبقها واستخدمها في تاريخه الطويل. وقد ظهرت هذه النتائج واضحة في القرن الرابع عشر واستمرت حتى القرن السادس عشر حيث مرت الثقافتان الشقيقتان في مراحل حياتية متشابهة.
وقد ساعد هذه العلاقة ظهور العلماء المسلون منذ أيام النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتضاعف أعدادهم خلال عهد الخلافة. وأشار إلى أن نقطة التشابه بين الدين المسيحي والإسلامي هو استخدامهما لغة واحدة (اللاتينية في أوروبا والعربية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط) دون النظر إلى الحدود السياسية أو العرقية.
ولعل أهم ما يميّز الإسلام هو رفضه لهيئة الكهنوت المنظمة، على الرغم من شغل بعض العلماء مناصب أئمة مساجد وقضاة ، لكنها لم تكن جزءا من السلطة الهرمية. ويستنتج المستشرق الأميركي بأن لدى العالم الإسلامي المسيحي ما يجمعه أكثر مما يفرقه.
التأليف كرد فعل لأحداث الـ 11 سبتمبر
لا شك أن كتابه»الحضارة الإسلامية المسيحية» فجّر الحالة الجامدة السائدة في الفكر الغربي طيلة سنوات طويلة. وجاء هذا الكتاب لكي يصحّح النظرة التقليدية إلى الإسلام، ويقدم نموذجاً من التفكير الجديد على الأميركيين والغربيين عامة.
ويرد الكتاب على اثنين من كبار المفكرين الغربيين هما: هانتنغتون، صاحب نظرية «صراع الحضارات» الشهير، والمستشرق بيرنارد لويس. وقد اتصف الاثنان بعدم إنصافهم للإسلام، وخاصة منذ أحداث الـ 11 من سبتمبر.
ولا يرى بوليت أن هناك خلافات عميقة بين الإسلام والمسيحية، بل هما «حضارتان شقيقتان تتمتعان بالسيادة في مناطق متجاورة جغرافياً وتتبعان مسارين تاريخيين متشابهين». والنظرة السلبية للإسلام جاءت نتيجة للمفاهيم الفكرية الجاهزة التي ورثها الغرب.
وليس من السهل أن يتقبل الفكر الغربي الرؤية البديلة لتطور الإسلام كحضارة شقيقة للمسيحية. لذلك يرى المستشرق بوليت أن توسع الإسلام في الشرق الأوسط كان له تأثير هام جداً على مسار الحضارتين المسيحية والإسلامية باعتبار الشرق الأوسط مهد الديانات السماوية، ومركزاً للديانة التوحيدية التي مهّدت لظهور الإسلام.
وأما سبب جهل الغرب للإسلام، فيعود إلى عدم قراءة الإسلام وحضارته، سواء في مراحل صعوده وانتشاره في العالم منذ القرون الأربعة الأولى، أو في صراعه الداخلي في القرن الرابع عشر. وكذلك صراعه مع التوسع الغربي قي القرن الثامن عشر ويؤكد المستشرق ان العنف العربي ليس كالأوروبي الذي أنتج الفاشية والنازية».
بين الإنسان والحيوان والعجلة
ريتشارد بوليت مؤلف كوني واسع الاطلاع، فهو يطرح موضوعاته الجديدة، ويدهش بها الأوساط الثقافية الأميركية المحافظة. في كتابه «الصيادون والرّعاة والهامبرغر»، يطرح المستشرق الأميركي العلاقة الجديدة القديمة القائمة بين الإنسان والحيوان، ومراحلها في:
الانفصال، وما قبل الحياة الأليفة أو العائلية، وما بعدها، ومرحلة ما بعد الحياة الأليفة. وهو من خلال هذه العلاقة، يستعرض هذه العلاقة عبر الثقافات والأزمنة المختلفة. وتفسر أطروحته عن علاقة البشر بمملكة الحيوان وبين العنف. ويورد مثلاً على ذلك في ما كان يحصل على المذابح الرومانية.
وفي كتابه الآخر» الجمل والعجلة»، يسعى ريتشارد بوليت إلى تقييم مدى تحضر الشعوب ولحاقها بركب الحضارة استناداً إلى المراجع التاريخية والفنية والتقنية والوراثية واللغوية والبيولوجية، مستكشفاً تأثيراته على اقتصاد المنطقة وتطورها الاجتماعي والثقافي منذ العصور الوسطى وحتى تاريخنا المعاصر.
ويطرح السؤال التالي: لماذا تم لقرون عدة استخدام الجمل في الشرق الأوسط بدلاً عن العجلة؟ وبهذا يصبح كتابه مصدراً هاماً في تاريخ الجمل وتطور استخدامه ومستقبله في الشرق الأوسط والخليج العربي.
شاكر نوري


