ثمة أحداث أقوى من النسيان وليس بوسع أحد أن يمحوها من ذاكرته، وهي تكتسب بمرور الأيام المزيد من الرسوخ والقوة، وكلما تناءت وبعدت، كلما أصبحت أعمق دلالة، وأقوى تأثيراً.
هكذا كانت بداية الحديث مع العقيد علي سنجل مدير إدارة الخدمات الطبية في شرطة دبي، استشاري الأمراض الجلدية ومقدم برنامج فيتامين، الذي يتذكر رمضان قائلاً: تعودت على صيام رمضان منذ سن الثامنة، وعلى عكس معظم أقراني من الأطفال، لم ألجأ إلى الحيل التي كانوا يتبعونها حتى يتمكنوا من الإفطار، وكنت في هذه السن المبكرة، فخوراً بقدرتي على أداء فريضة الصوم، متباهياً بأني أصبحت أنتمي إلى عالم الكبار، ممن يمتنعون عن الطعام حتى مغيب الشمس.
والحق.. إن الفضل في أني تمكنت من هذا الأمر، يعود إلى أني تربيت في كنف جدتي لأبي، طيب الله ثراها، فقد كانت امرأة شديدة الورع والتقوى، وكانت تحرص على غرس الإيمان في نفوس أحفادها منذ نعومة أظافرهم.
وكانت أسرتي تحرص على منحي التقدير الاجتماعي والإطراء عليّ والإشادة بقدرتي على تأدية الفريضة أمام كل المعارف، مما رسخ في نفسي شعوراً قوياً بأن ما أؤديه هو مبعث للفخر ويجب عليّ أن أحافظ عليه.
رائحة الطعام
ومن المشاهد الرمضانية التي لا تغيب عن ذاكرتي، رؤية إخواني الصغار، قبيل الإفطار يقفون أمام المطبخ، يستنشقون رائحة الطعام الذي كانت تعده أمي، وهم في أشد الشوق لسماع الآذان حتى يتذوقوا ما لذ وطاب، وحتى يتلذذوا بالأصناف الشهية التي كانت والدتي تتفنن في تحضيرها.
كما لا أنسى أن رمضان فيما سبق كان له طابع أكثر حميمية من رمضان الآن، فالناس كانوا أكثر بساطة، وكانوا يحرصون على صلة الرحم، والمجالس الرمضانية، والزيارات الاجتماعية أكثر من الآن، وكان الشهر المبارك مناسبة ينتظرها الجميع، لبذل الخير والإكثار من الحسنات، قبل أن تحاصرنا برامج الفضائيات والمسلسلات من كل جانب.
ويضيف: ومن ذكريات الشهر الكريم، تلك التي ترتبط بسفري إلى المملكة المتحدة، لاستكمال دراسة الطب والتدريب هناك، فقد عشت في المهجر 15 سنة، وصمت رمضان هناك، وحضرته متزامناً مع أشهر الصيف والشتاء.
وكان الصيام في الصيف مرهقاً للغاية، حيث كان الفجر يأتي في نحو الساعة الثالثة، فيما كان يؤذن للمغرب بعد التاسعة، فيما كان الصيام في الشتاء سهلاً لأنه يبدأ من السادسة وينتهي عند الرابعة.
قسوة الغربة
ويتابع الدكتور علي سنجل بقوله: لم أشعر بأجواء رمضان في المملكة المتحدة، وهذه كانت من الأشياء التي تشيع الألم والأسى في نفسي، وكنت دائما ما أشعر بالحنين إلى مائدة الإفطار مع الأسرة في دبي، غير أنني كنت أتماسك نظراً لإيماني بأن طلب العلم فريضة وغاية لابد عليّ أن أدركها.
وكانت السنوات الثلاث الأولى أصعب سنوات الغربة، إذ كنت أعزبا وأعيش مع أسرة إنجليزية لا علاقة لها برمضان، ولا تعرف شيئاً عنه، وبعدما تزوجت وانتقلت زوجتي لتعيش معي في بريطانيا، أصبحت الأمور أسهل كثيراً، وإن كان الحنين لمائدة الأسرة، لم يفارقني.
وفي سنوات الاغتراب، تعلمت الكثير من الأشياء، فقد عرفت الشيء الكثير عن فنون الطبخ، وكنت أحرص على إعداد بعض الأطعمة التي ترتبط بالشهر الكريم في ذاكرتي، ومنها:
البرياني والمكبوس والمعكرونة الإيطالية بأنواعها المختلفة، بالإضافة إلى كافة أنواع الصواني بالفرن، غير أني حالياً توقفت عن هواية الطبخ، نظراً لانشغالي بالكثير من الأعمال.
التزام ديني
ويتحدث الدكتور علي سنجل عن التزامه بالصيام في المملكة المتحدة قائلاً: عندما يعيش المسلم في وسط اجتماعي مغاير، يجب أن يحرص على الالتزام الديني، لأنه يعد سفيراً لدينه أمام غير المسلمين، وعليه أن يعي بأن الأخر سيمنحه المزيد من الاحترام، في حال وجده ملتزما بعمله دقيقاً فيه، وفي نفس الوقت متمسكاً بدينه.
ويضيف: كما تعلمت من جدتي مبادئ الالتزام الديني، أحرص حالياً على غرسها في وجدان أطفالي، وقد عودتهم جميعاً على الصيام بإسلوب الترغيب، منذ سن الثامنة.
كما حرصت على أن يحفظوا ما يتيسر لهم من القرآن الكريم، وأسأل الله أن يوفقني في تنشئتهم نشأة حسنة، مشيراً إلى أن برنامجه اليومي في رمضان حالياً، يبدأ من التاسعة صباحاً حيث يذهب إلى العمل، ثم يعود إلى بيت العائلة «بيت أبيه» في نحو الرابعة، لتناول الإفطار مع أبيه وأمه وإخوانه وزوجته وأطفاله، وهذه عادة رمضانية لا يستطيع التخلي عنها، لأنها تشعره بالدفء الأسري الذي نفتقده جميعاً طيلة أيام السنة.
الدكتور علي سنجل لا يتناول الحلويات الرمضانية كونها مضرة بالصحة، وانطلاقاً من اعتقاده بأن رمضان يعد فرصة لعمل حمية غذائية كل عام، وليس لملء المعدة بشتى أنواع الطعام، ومن ثم زيادة الوزن وما ينجم عنها من أعراض صحية.
ويقول: بعد صلاة التراويح، أتوجه إلى عيادتي الخاصة، حتى منتصف الليل، وأعود فيما بعد إلى بيتي لأنال قسطاً من الراحة، ومن ثم أتناول سحوراً خفيفاً، وأخلد إلى النوم.
دبي ـ محمد مصطفى موسى
