أمير العوضي ضابط أول وحدة الدعم والمتابعة بإدارة عمليات المسافرين بجمارك دبي يسرح طويلاً قبل أن يجيب عن السؤال التقليدي المتعلق بذكرياته الرمضانية، ثم يحتار في اختيار نقطة البداية، وأخيراً قرر أن تكون البداية من ذكرياته حول التنافس في حفظ وتلاوة القرآن الكريم بينه وبين شقيقته في شهر القرآن.

يقول العوضي: يحضرني التنافس في حفظ وتلاوة القرآن الكريم خلال شهر رمضان بيني وبين شقيقتي ونحن أطفال، وأذكر أن طاقة الواحد منا في القراءة اليومية كانت جزءاً كاملاً، حتى إذا انقضى الشهر نكون قد ختمنا القرآن ختمة واحدة.

وكان الوالدان يشجعاننا على التلاوة والحفظ بمنحنا الجوائز الرمزية، وفي سن الطفولة كنا ندرك أن منزلة الشهر الفضيل تستمد من نزول القرآن خلاله، فكنا نحرص على استثمار هذه الأيام المباركة في ذلك النشاط القرآني.

يضيف العوضي: أذكر أنني بدأت الصوم في سن مبكرة ربما في الثامنة أو التاسعة، وكانت الوالدة هي التي شجعتني على الأخذ بهذه المبادرة في البداية حيث أردت تقليدها في الامتناع عن تناول الطعام والشراب خلال نهار رمضان.

وعندما شعرت برغبتي في ذلك شرحت لي معنى الصوم وأكدت لي أنه ليس فقط التوقف عن تناول الطعام والشراب ولكن أيضاً الالتزام بحسن الخلق والصدق والأمانة والاستقامة، وأذكر أنني ربما لم أفهم كل ما ذكرته لي لحداثة سني، ولكن مع مرور الوقت استطعت فهم أبعاد الصوم وباقي العبادات.

الإفطار الجماعي

يشير أمير إلى أن الفطور الجماعي كان في الماضي أحد سمات أيام رمضان، يقول: كنا نفطر بشكل جماعي يومياً في رمضان، وكانت العائلات تتناوب في دعوة أفراد العائلة إلى تناول الوجبة لديها، فكنا نتناول الإفطار مرة في منزلنا مع توجيه الدعوة إلى كل أقاربنا لمشاركتنا، ثم في اليوم التالي تكون دعوة أخي ثم عمي أو خالي ثم أسرة ثالثة ثم رابعة، وهكذا..

ولا أذكر أن أحد أيام رمضان مرت علينا دون أن نجتمع على الإفطار، وكانت البيوت تقيم خيماً خارجها لاستقبال المفطرين من الفقراء وعابري السبيل والأيتام وغيرهم ممن يستحقون الدعم، وكانت العائلات وقتها تتسابق في خدمة هؤلاء الفقراء وتقديم الإفطار لهم.

منافسات رمضانية

يتذكر العوضي أصدقاء الطفولة قائلاً: كنا من أبناء فريج المطينة وأذكر أن صديقي أحمد سالم كان أقرب الأصدقاء إلي، وكنا نتشارك اللعب والسهر والأنشطة الرمضانية كل عام ونحن لا نزال أطفالاً وحتى دخلنا سن الشباب.

وكان أطفال الفريج يشاركوننا اللعب بالدراجات الهوائية خلال الساعات الممتدة من بعد صلاة التراويح وحتى قبل تناول وجبة السحور بدقائق، كما كانت تشتد بيننا المنافسة في لعبة كرة القدم وننظم لها الدورات الرمضانية والمسابقات التي تأخذ شكل مسابقات المحترفين، وكان كل فريج يرشح فريقاً للمشاركة، وبالطبع كانت المشاركات لا تخلو من مفارقات طريفة.

يشير أمير العوضي إلى الاختلاف الجذري بين مظاهر الاحتفال بقدوم شهر رمضان بين الأمس واليوم، فيقول: كانت البهجة ترتسم على وجوهنا ونحن صغار في انتظار الإعلان عن بدء الشهر الكريم، وكنا نتابع مع الكبار خبر استطلاع رؤية الشهر الفضيل من خلال الإذاعة حيث لم يكن التليفزيون قد انتشر وقتها انتشاره الحالي.

كما كنا نترقب إعلان لجنة تحري الرؤية فإذا أعلنت أن الشهر يبدأ في اليوم التالي يعني ذلك أننا سوف نتناول وجبة السحور في نفس الليلة، فكنا نخرج لملاقاة الأصدقاء والجيران ممن هم في نفس السن للاحتفال بأول ليلة من ليالي الشهر الكريم، ولا ننام إلا بعد السحور.

كان نهار رمضان كله بركة.. هكذا يرى العوضي، يضيف: كان اليوم يتسع لأداء الكثير من المهام، وأذكر أنني قبل موعد الإفطار كنت أساهم في توفير احتياجات المنزل من المشتريات الضرورية لإعداد وجبة الفطور، وكنت أشتريها من البقالة الصغيرة المجاورة للمنزل بمنطقة المطينة في دبي.

ثم أعود لقراءة القرآن الكريم وأحفظ بعضاً منه، ثم أساعد والدتي وإخوتي في إعداد مائدة الفطور لأنها تضم أشخاصاً كثيرين..

ولعل هذا من أفضل ميزات رمضان خلال الأيام الماضية، وأتابع بعض البرامج الدينية من خلال الإذاعة أو التليفزيون، وبالطبع لم يكن هناك أي كمبيوتر في ذلك الحين ولم نعرف وقتها بالانترنت، ولكن كنا نتابع أحياناً ما تبثه بعض القنوات الأرضية التي عملت في ذلك الحين.

يذكر العوضي أن وجبة السحور كانت مهمة لدى أفراد العائلة جميعاً، يقول: كان الوالد يحرص على إيقاظنا لنتناول وجبة السحور، وكان يؤكد لنا أن في السحور بركة كما يقول الحديث الشريف، ومهما كان قدر الإرهاق الذي يشعر به أي منا جراء الأنشطة اليومية.

منافسات كرة القدم ذكريات لا تنسى

بعد الإفطار كنا نتوجه إلى المسجد لأداء صلاة المغرب ثم العشاء وبعدها صلاة التراويح، ثم نخرج من المسجد إلى المنزل ليقوم الوالد بمراجعة ما حفظناه من القرآن الكريم ويصحح لنا القراءة إن لزم الأمر، ثم ننطلق إلى عالم اللعب البريء، كنا نستخدم دراجاتنا الهوائية في الطواف حول الفريج والفرجان المجاورة.

ثم نتفرغ للمباريات التي ننظمها خلال رمضان ومنها منافسات كرة القدم، في بعض الأحيان كنت أستمر في اللعب حتى موعد السحور ولكن في أغلب الأحيان لم أكن أقاوم الرغبة في النوم، فكنت أستسلم له لساعتين أو ربما أقل حتى يحين موعد السحور.

وكانت تشهد منافسات كرة القدم معارك حامية الوطيس بيننا وبين الفرق المنافسة، كان الأمر بالنسبة لنا جدياً تماماً، وكان الفوز حليفنا في معظم المباريات، وكنا دائما في الطليعة، حتى إذا اقترب الشهر الكريم من نهايته تراجع فريقنا إلى المركز الثاني وسط حسرتنا وشعورنا بالإحباط.