لا يزال تاريخ الإمارات بكل فروعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي والتاريخي والجغرافي لم يدون بعد بصفة مكتملة وأنى يتأتى ذلك. وإذا كانت هناك جهود تذكر فتشكر إلا أنها تعد محاولات، حيث إنها لم تتضمن كل الجوانب في القضايا التي تعرضت لها.
وقد حاول بعض الأقدمين الكتابة في شيء من هذا إلا أنها جهود اقتصرت على ما كان متاحاً أمام من كتبوا وما كان يدور في دائرة اهتمامهم، وجاء الباحثون العلميون فبنوا وأسسوا على ما كان أمامهم. وبذل البعض منهم جهوداً في جمع مادتهم بالمشافهة أو مما نقلته تقارير البعثات الآثارية والسياسية مثل تقارير البرتغاليين والهولنديين والبريطانيين أو من كتب من غيرهم. وتبقى صفحات مجهولة من هذا التاريخ ممكن استقراؤها من بعض المستندات وبعض القصاصات أو بعض الأوراق المتناثرة هنا وهناك وإن كان أغلبها مصورات لا يعرف مكان أصول الكثير منها، إن كانت لا تزال لدى أحد من الذين احتفظوا بشيء من ذلك. أو كتب عنها بشكل مقتضب.
وعلى صفحات «البيان» نحاول خلال هذا الشهر الكريم أن نلقى الضوء على بعض ذلك. لا ندعي أن كل شيء من صفحات هذا التاريخ قد تم احصاؤه، إنما هي أمثلة لبعض ما أشرنا إليه، المراد به استثارة همم الباحثين والمؤرخين لدراسة ما لديهم وتقديمه أمام المتلقين، وإشعار من يحتفظون بوثائق من هذا القبيل بأهمية الدفع بها إلى الباحثين لدراستها وتقديمها. فهذه مجرد أمثلة حاولنا تقديمها في فصول مجازية للفصل بين موضوعاتها.
لقد مثلت مرحلة الثلاثينيات من القرن الماضي بداية تطور مرحلة التنوير بين أهل الإمارات والدول المجاورة ومثلت مدينة بومباي بالهند محطة لقاء لكثير من مثقفي المنطقة آنذاك، فالذين درسوا في الهند كانت لهم فرصة لالتقاء مجموعة من الطلبة هناك، وكذلك التجار الذين مارسوا تجارتهم من خلال بومباي التقوا كثيراً من تجار المنطقة أيضاً، بيد أن الهند علاوة على مدارسها وأسواقها كانت منتديات جامعة، فكثير من المثقفين والمفكرين العرب كانوا عندما تضيق بهم الأمور يغادرون بلدانهم للإقامة هناك.
وكانت هذه اللقاءات فرصة لهم لربط علاقات بأمثالهم من أبناء الجاليات الأخرى، تطورت فيما بعد لتمثل فرصة لمراسلات مستمرة. ونحاول هنا أن نقف على نماذج من هذه المراسلات التي كانت بين أبناء الإمارات بعضهم البعض، وبينهم وبين الآخرين من أصدقائهم أبناء الجاليات الأخرى.
1 - الشيخ صقر بن سلطان القاسمي:
الشيخ صقر بن سلطان بن صقر القاسمي حكم الشارقة من عام 1951 بعد وفاة أبيه إلى تاريخ عزله عام 1964. وكانت له رسائل مع الأدباء والمفكرين. ونقف هنا عند رسالتين وجههما إلى أديب البحرين وشاعرها ابراهيم العريض.
أ - ففي الرسالة الأولى التي يوجهها إليه بتاريخ 8/6/1373 هـ (1953م) نلحظ انه أرسلها من منطقة كلباء إحدى ملحقات حكومة الشارقة حيث جاءت ترويسة الخطاب حاملة العنوان التالي: (حاكم الشارقة وملحقاتها ؟ مقاطعة كلبا ؟ ساحل عمان) ومضمون الرسالة انه يعاتبه فيها عن انقطاع رسائله. ويطلب منه الكتابة عن الأحداث الدائرة في مصر، والبحرين وإيران، وتونس مع الفرنسيين لأن ذلك يعطي مجالاً خصباً للكتابة أو شيئاً من الشعر.
ب - في 20/6/1372 هـ (1953م) بعث إليه برسالة أخرى صادرة من الشارقة ومضمونها انه يشكره على رسالة وردت منه، أثنى فيها على مقالات أو أشعار نشرها الشيخ في مجلة الأديب ومجلة صوت البحرين، ويأسف على أن له جهوداً لا يمكن أن يتمها والظروف معاكسة له ويستشهد بقول الشاعر:
ولو كل بانٍ خلفه هادم كفى
فكيف ببانٍ خلفه ألف هادم
كما يشكره على كتاب بعثه إليه بعنوان «لمن» للأستاذ ألبير أديب. ويعتبر إهداء الكتب أكبر رابطة لاتحاد الفكر. ويضمن الرسالة شيئاً من شعره ويعتذر عن ذلك قائلاً أعلم بأني سأشغل وقتك بقراءة ذلك في وقت هو أهم من قراءتها، ولكنها كما يقول: ولكني بشر ينطبق عليه المثل «كل تعجبه طنطنة رأسه».
حطمي القلب بدديه شظايا
واحرقيه فذاك أقصى منايا
لم قولي هذي المواساة اهلا
كنت بالهجر تضرمين الحنايا
أنت الدلال يالك أنثى
نسيت نفسها ضروب الرزايا
وهي في عشرة أبيات.
2 - رسالة الأديب احمد بن سلطان بن سليم:
احمد بن سلطان بن سليم أديب وشاعر غادر دبي بدايات الأربعينات من القرن الماضي إلى الهند وعاش في نيودلهي وعمل في إذاعتها «إذاعة عموم الهند» في البرنامج العربي. وأثناء إقامته التقي ابراهيم العريض فوثقت العلاقة بينهما.
وفي 11 جمادي الثاني من عام 1372 هـ 1953226م بعث ابن سليم برسالة من دبي إلى ابراهيم العريض. يذكر فيها لقاء بينهما تم في البحرين قبل سفر ابن سليم منها عائدا إلى دبي. ثم يشير إلى حديث دار بينهما عن مدى ارتياح ابن سليم عن وضعه وحالته. وانه عرض عليه عرضا يبدو من الخطاب انه عرض عليه وظيفة في البحرين. ويشير الخطاب إلى قبوله المبدئي لذلك العرض لكنه طلب. موافاته بالتفاصيل الكاملة.
3 - رسالة تيمور بن فيصل إلى العقيلي:
تيمور بن فيصل بن تركي جد السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان. كان مولعاً بالثقافة والأدب، وكان على ثقة مع المفكرين والأدباء. حيث قام بطباعة بعض التأليفات العمانية على نفقته، وأقام في الهند في تلك الفترة التي كانت زاخرة بوجود المثقفين العرب.
وحيث انه ابن الإمام فيصل بن تركي إمام عمان وتربى في كنفه وفي مجالسه التي كانت زاخرة بالمثقفين والشعراء حيث كان والده مولعا بلقاء الأدباء وكان منهم الشاعر مبارك العقيلي الذي أقام فترة بعمان قبل استقراره في دبي وقد ربطت علاقة وثيقة بين الرجلين السيد تيمور بن فيصل والعقيلي، وكانت بينهما مراسلات منها هذه الرسالة التي بعث بها السيد تيمور من عمان بعد وصوله إليها لزيارة ولده السلطان والآل والأصحاب كما يقول.
انه استلم كتاب العقيلي المؤرخ في حادي محرم 1365 هـ ( 46 19م) وذكر له أن هناك من ادعى أن العقيلي ليس أديبا وليس من أهل دبي وانه كالمعيدي. ويرد بأنه يعلم انه ليس كذلك الادعاء.
حيث يشهد له كلامه الجميل وألفاظه العذبة. ويسأل الله أن لا يفك أسره من دبي والكتاب مؤرخ في 19 صفر سنة 1365هـ (46 19م).
4 - رسالة العقيلي إلى تيمور بن فيصل:
وفي 2/3/1365 هـ (1946) يرد العقيلي على تلك الرسالة برسالة بدأها بعد البسملة بثلاثة أبيات من الشعر يقول فيها:
لك الله يا تيمور عون وحافظ
على كل حال في الإقامة والسفر
ولو باختياري لم تبارح لمقسط
وأنت لها كالسمع والله والبصر
ثم يأتي بمقدمة نثرية جميلة «إلى حضرة من شرفه مأثور، وفضله مشهور، سيد أبي سعيد، وابن المرحوم السيد فيصل أبي السيد تيمور أظهره الله وظفره»
ويشير إليه أنه علم من الشيخ سعيد بن مكتوم أن السيد تيمور سيأتي إلى دبي «سيدي: قد أهدي إلى جناب أبي السماح، وحامل لواء الإصلاح، المستحق للثناء والتمجيد، المكرم الشيخ سعيد البشرى بتشريف جلالتكم إلى محروسة دبي فكدت من الفرح أطير ثم ورد كتابكم المملوء بالنكت والسخرية...........) ثم يناقش قضية من عابه واتهمه، وفند رأيه.
بأنه ليس فيه ما عيّر به حيث يقول: «ولا أدري بأي شيء طبق عليّ هذا المثل، فان كان عن قصر قامتي فعقلي وفهمي كاملان طولاً وعرضاً. وان كان عن نحول جسمي وقله لحمي فلا يمدح بذلك إلا الخروف أو إنني لم أتذيل للأجانب، وأتشبه بالكواعب، فاحلق اللحية والشارب.
وأتبرج وأتفرنج، وأغير لباسي، واضع القبعة على رأسي فهذا ما لا يقبله كل أبي من صميم العرب......) ثم يقول: «وعن مكثي في دبي فسيدي يعلم أن من وجد الإحسان قيدا تقيدا.........» ثم يسرد شيئاً من شعره في دبي، ومديحه للمغفور له الشيخ راشد بن سعيد ووالدته الشيخة حصة بنت المر.
بقلم ـ بلال البدور


