بحكم أنه وُلد وترعرع وتمكّنَّ في بيئة علمية وعملية، فقد كان له نصيب من الحرص والاهتمام، لم يجده ربما كثيرون من أبناء جيله داخل الدولة وخارجها.. فمنذ البداية تشرَّب الدكتور عارف الشيخ شتى أصناف الدراسة والخبرة والتجربة، وقد سافر شاباً صغيراً لطلب العلم في المملكة العربية السعودية وفي جمهورية مصر العربية، ذلك بالإضافة إلى التزامه بنهج دراسي علمي وعملي هنا في دولة الإمارات.

الدكتور عارف الشيخ وبحكم اضطراره للعيش وحيداً في بلاد الغربة والدراسة، حيث كان شاباً صغير، فهو يحفظ في ذاكرته الكثير من المواقف الرمضانية الطريفة والخفيفة التي تظل محفورة في ذاكرته مهما طال الزمن، ذلك بالإضافة إلى مواقف أخرى ضاربة في جذورها البريئة، وهي التي عايشها حينما كان طفلاً صغيراً وقد ألزمه والده، رحمه الله، بالصوم الجدي.

الالتزام بالصيام

يقول الدكتور الشيخ إن والده اهتم بتربيته منذ الصغر، وحينما بلغ من عمره ستة أعوام بدأ في تعلم اللغة العربية ودراسة وحفظ القرآن الكريم قبل أن يتعود على فريضتي الصلاة والصيام، مشيراً إلى أنه وحينما بلغ عمره عشرة أعوام، وجد نفسه أسيرا لتوجيهات وقرارات الأب بضرورة الالتزام بصيام الشهر الفضيل كاملاً.

ذلك الواقع كما يؤكد الدكتور عارف الشيخ دفعه حينما كان طفلاً للظن أن والده يفضل عليه أشقاءه الآخرين، لأنه لا يفرض عليهم الصوم والالتزام إلى الحد الذي يطلبه من عارف وهو الأصغر سناً، وهو ما أدخله في دوامة من التفكير، أن والده يتعمد أن يفرض عليه ملامح الجوع والعطش، ولكنه كان يخشاه ويطيعه، وبالتالي يضطر لمجاراة رغباته وتوجيهاته، كيف لا وهو الأب الجاد والحريص على أبنائه.

ويضف الدكتور الشيخ أنه وفي أحد أيام الشهر الفضيل وحينما اشتد به الجوع والعطش، لجأ إلى والدته وهو يعرف تماماً أنها تكنُّ له الكثير من ملامح العطف والحنان والتسامح، خلافاً لعلاقته الجادة مع والده، وفي خضم تلك المفارقة التي يجسدها تفكير بريء، توجه الشيخ إلى والدته وهمس في أذنها أنه عطش ومتعب، مبدياً لها خوفاً وقلقاً من أن يعرف بذلك والده.

أما هي فرأفت في واقعه وأحضرت له الماء قائلة «اشرب فالماء لا يفطر»، وشيئاً فشيئاً تطور الأمر لدى الدكتور عارف الشيخ وراح يطلب منها الشاي الذي يحبه كثيراً، وحجته أن الشاي عبارة عن ماء ملون، وهو حتماً لن يفسد الصيام.

دموع الإفطار

قبل ما يقارب أربعة عقود من الزمن، وحينما وجد الدكتور الشيخ نفسه طالباً للعلم ومغترباَ في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو الذي اعتاد البقاء في أجواء رمضانية عائلية لا تخلو من المتعة يوماً هنا في قلب مدينة دبي، يؤكد ذلك الشاب والطالب أنه وفي كل ليلة من ليالي الشهر الفضيل وما إن يحين موعد الإفطار حتى يجد نفسه غارقاً في دموعه بسبب الغربة، ومثل ذلك الموقف ظل يتكرر معه وقتي الإفطار والسحور، وفي عيدي الفطر والأضحى.

أثناء الدراسة وخلال شهر رمضان تحديداً، يستذكر عارف الشيخ مواقف صعبة كثيرة أبقته في خانة الإصرار على النجاح، فهو كان شديد التعلق بعائلته وأفراد أسرته، وحينما وجد نفسه يصوم ويفطر بعيداً عنهم كان يغرق دائماً في دموعه، وإن كان في جميع أوقاته يشارك كبار شيوخه في موائد الإفطار ويلتزم البقاء في حضرة العلم والتعلم المباشر من أساتذته وشيوخه.

وفي ذات المكان يذكر الشيخ صديقاً له كان يدرس معه في المملكة في تلك الفترة، والذي كان يتنقل في إفطاراته الرمضانية بين المطاعم وبعيداً عن حضرة أهل العلم، وفي النهاية خرج من الدراسة بنتيجة الفشل وحسب، أما هو فقد سجل لنفسه كثيراً من ملامح النجاح والتميز في حياته العلمية التي أمضاها في السعودية أو في مصر، لا سيما الرمضانية منها والتي ذرف فيها دموعاً لا يبهت صداها في ذاكرته مهما طال الزمان.

جدية الدراسة

وفي مكة المكرمة، كان الباعة سابقاً يخشون عرض حلويات «الزلابية» وبيعها في المحلات لسبب وجود مطاوعة ومتزمتين يمنعونها لسبب ما، أما عارف الشيخ فكان يصر خلال رمضان على الالتفاف وقطع مسافات للوصول إلى أحد الأماكن الخفية وجلبها من هناك، فهي حلويات لا يقوى يوماً على التنازل عنها.

وفي الأزهر الشريف في مصر، حرص الدكتور عارف الشيخ على مواصلة مشواره الجاد في الدراسة والعلم، وهو الذي تشرب من والده منذ الصغر معنى الإصرار والجدية والوصول، فوالده حينما كان طفلاً تغرب من أجل العلم ودرس لدى شيوخ مكة والحرم.

وبذلك واصل الدكتور عارف الشيخ مشوار والده في الدراسة والعلم، وسافر إلى مصر، وهو يقول إنه وعلى الرغم من كونه كان يسكن في حي الحسين الشعبي والذي كان يعج بالحياة، إلا أنه كان يلتزم البيت والمسجد والجامع الأزهر، وبذلك يشغل نفسه عن أي أمور أخرى، سواء كانت في رمضان أو سواه من شهور السنة.

صلاة التراويح

يقول الدكتور عارف الشيخ إن شهر رمضان في الماضي كان يزخر بمفارقات كثيرة إيجابية لا يجدها الكثيرون ممن عايشوها سابقاً حاضرة في هذه الفترة تحديدا.

وكما يؤكد عارف الشيخ فالمساجد كانت خلال رمضان تشتعل بالعبادات، أما صلاة التراويح فكانت تؤدى مكتملة بـ 20 ركعة وليس كما يفعل الغالبية هذه الأيام الذي يصلون ثماني ركعات، في حين أن مجالس القرآن الكريم لا تغيب عن بيت من البيوت.

وفي ليلة السابع والعشرين كانت تلك المجالس تودع الشهر الفضيل بتلاوة القرآن وقصائد الوداع المعبرة.

مثل تلك المظاهر بَهُت صداها هذه الأيام، وطغت وسائل الإعلام الكثيرة على بهجة رمضان حتى لم يعد للفرحة الرمضانية حيزاً كبيراً في عقول وقلوب المسلمين التي لطالما انتعشت ببركات الشهر الفضيل.

دبي ـ عنان كتانة