هل فكرت يوماً في اللجوء إلى الانترنت من أجل البحث عن عمل؟ هل وضعت اعلاناً على «فيس بوك» بوصفه الظاهرة الإعلامية الاجتماعية التي تميز أيامنا حالياً؟ هل أدليت ببيانات شخصية ظناً منك أن لا أحد باستثناء المهتمين بتوظيفك هم الذين يتربصون بهذه المعلومات؟ إذا كانت اجابتك بنعم عن الأسئلة الثلاثة الماضية فتأكد أنك وقعت في الفخ، الذي لن تنجدك منه حتى قراءة السطور التالية.

لكنك لست وحدك في الفخ، فمعك الملايين حول العالم الذين باتوا منكشفين لمجرد أنهم وثقوا بوسائط الإعلام الاجتماعي الحديث. في أميركا، حين تنقر بيتر على لوحة المفاتيح لتدخل إلى أحد أكبر مواقع الوظائف على الإنترنت، لن تبق بمفردك طويلاً.

وقد أشارت تقارير حديثة إلى أنه باستخدام برمجية معينة لمراقبة البرامج التي تعمل على الصفحة الرئيسة لموقع «كاريربيلدر دوت كوم» فْممِّْيٌلمْ.كٍُ، فإنك، كباحث سترى بيانات تبين أن حاسوبك يتم حمله سريعاً وفجأة إلى 10 منافذ على الأقل تتابع إلى أي المواقع يذهب الأشخاص على الإنترنت. الأكثر إثارة للقلق هو عدم قدرتك على معرفة ماذا تفعل الشركات بالبيانات.

إنتبه سيتم تفتيتك!

«هناك معركة اليوم من شأنها أن تشكل مستقبل الحياة على الشبكة، وتوجد في الوقت ذاته تأثيرات ثانوية حقيقية للغاية على العالم المادي. فمن جهة، تصبح الملفات الرقمية التي تبنيها الشركات من التصفح، والبحث، والعادات الأخرى لمستخدمي الشبكة العاديين، مصقولة بشكل متزايد.

لكن، وفي الوقت ذاته، تم إطلاق العنان لطوفان من المعلومات الشخصية بشكل علني على الشبكة، وفي واجهتها 500 مليون مستخدم لموقع فيس بوك»، بحسب ما يشرح مريد السيد مسؤول الشبكات في شركة «أس كومينكيشن» التي تقدم حلولاً إعلانية باستخدام الوسائط الإعلامية الحديثة.

ويقول مايكل فيرتيك، من «ربيوتيشن ديفندر»، وهي شركة تساعد الناس على إدارة بصماتهم على الإنترنت: «يتم تجميع أجزاء صغيرة معاً من بيانات مختلفة لتوليد ملف رقمي عنك بالتفصيل بشكل لم تعتقد على الإطلاق أنه يمكن حدوثه.

ولا يتغير شيء سواء بقيت يقظاً حتى وقت متأخر من الليل، لكي تتأكد من عدم استغلالك، أو اشتكيت بشأن شركة يمكن أن تؤثر في إمكانية تشغيل بياناتك، وسواء إذا كانت لديك عادات إنفاق مكلفة يمكن أن يكون لها تأثير إذا استثمرها شخص ما في شركتك، أو عادات اجتماعية استثمرها شخص آخر لجرك على موعد».

الحاجة إلى فضيحة

ومع انتشار مثل تلك المخاوف، ازدادت هذا العام سخونة جدل محموم يدور منذ مدة طويلة حول حدود خصوصية الإنترنت. وهو جدل يتفرع عنه حق التحكم بالبيانات وإدارتها، كما شهدنا مؤخرا قضية الأمن المعلوماتي عبر اتصال «بلاك بيري» بالانترنت في بعض دول الخليج.

وكما يسّلم مسؤول في إحدى شركات الإنترنت البارزة، فإن الأمر سيتطلب فضيحة كبيرة واحدة تتعلق بإساءة استخدام المعلومات الشخصية ـ تتعلق على سبيل المثال بابن سياسي بارز ـ لكي تصل المسألة إلى مرحلة الغليان.

وفعلاً انبرى بعض السياسيين في الغرب إلى نقل المعركة إلى مستويات جدية أكثر. ففي أميركا، قام بوبي روش، العضو الديمقراطي في مجلس النواب بتقديم مشروع قانون من شأنه أن يعطي الأميركيين الحق بوقف نشر المعلومات الخاصة عنهم، مثلما يستطيع ذلك عديد من الأوروبيين. يقول: «في نهاية المطاف، ستظهر مغالطة ما، أو بعض الأذى المرعب الذي سينتج عن نقص القوانين، وغياب الحماية القوية للخصوصية. ونحن نقف الآن عند نقطة تقاطع حرجة».

خلافات فلسفية

كشفت التوترات التي ولدها التقدم المزدوج لتقنيات تتبع الإنترنت، وأسلوب المستخدم الأقل تحفظاً في الكشف عن المعلومات الشخصية على الإنترنت، بعض الخلافات الفلسفية العميقة، وسلطت في الوقت ذاته الضوء على المصالح التجارية القوية التي هي على المحك.

وأصبح مارك زوكيبيرغ، مؤسس «فيس بوك»، البالغ من العمر 26 عاماً، بطلا لدى أجيال من الشباب، يعكس تحولا في فكر الجيل الحديث ومواقفه إزاء الخصوصية. «أصبح الأشخاص مرتاحين للغاية، ليس في المشاركة بمزيد من المعلومات، والأنواع المختلفة فحسب، وإنما كذلك بصراحة أكثر، ومع مزيد من الأشخاص، وهذه القاعدة الاجتماعية مجرد شيء يتطور فحسب».

لكنّ ما تم اكتشافه حديثاً هو أن المواقف لا تتغير بالسرعة التي يرغب فيها. فقد واجه موقع «فيس بوك» سيلاً من الشكاوى حين قام بتغيير الترتيبات على موقعه بحيث تم نشر بعض المعلومات حول المستخدمين، مثل وظائفهم، ومدنهم الأصلية، تلقائياً، متجاوزاً بذلك أي خيار يملكونه لإبقائها سرية. واجتذبت الخطوة النيران من جانب المنظمين الأوروبيين، وأطلقت تحقيقاً من جانب هيئة التجارة الاتحادية في الولايات المتحدة، الأمر الذي أجبر «فيس بوك» على التراجع الجزئي.

وبالتأكيد، لم يحدث هذا الأمر أزمة في العالم العربي، الذي يعتبر التردد على الفيس بوك في بعض بلدانه مثل مصر ولبنان من الأعلى في العالم، وذلك بسبب غياب التنظيمات العربية التي تواكب الإعلام الحديث وقوانين الخصوصية الاجتماعية.

وبصورة عامة، يخشى المشرعون، والمنظمون، من أن المستخدمين لم تعد لديهم سيطرة كبيرة على الطريقة التي يتم بواسطتها استخدام معلوماتهم الشخصية، ويفتقرون إلى المعلومات والفهم اللازمين لاتخاذ قرارات مدروسة.

ووفقاً لفيفيان ريدينغ، مفوضة العدل في الاتحاد الأوروبي التي أوضحت أن الخصوصية وحماية البيانات ستبقيان موضع التركيز الرئيس طوال فترة منصبها لخمس سنوات: «يجب أن تكون لدى مستخدمي الإنترنت السيطرة الفاعلة على ما يضعونه على الإنترنت، وأن يكونوا قادرين على تصحيحه، أو سحبه، أو إلغائه متى يشاؤون».

المعلنون على الجبهة

وكان من الطبيعي أن تتحرك جمعيات حماية المستهلك، التي رفعت شعار«إذا كان الهدف هو تزويد المستهلكين بالمعلومات حول الطريقة التي يتم بواسطتها استخدام معلوماتهم، ومنحهم بعض السيطرة، فإن هذا الهدف لا يتم تحقيقه«.

وسيكون لنتيجة صدام الرؤى هذا تأثير كبير في أرباح الشركات التي تعمل على الإنترنت. فالوصول إلى المعلومات المفصلة حول المستخدمين «مهم بشكل استثنائي» بالنسبة ل«غوغل» اُُهٌم، و«فيس بوك»، والشركات الأخرى التي تقدم خدمات مجانية على الشبكة، حسبما تقول ربيكا أربوغاست، المحللة لدى شركة ستيفل نيكولاوس في العاصمة الأميركية واشنطن.

وتضيف: «يعتمد نموذج العمل الخاص بهذه الشركات على كونها قادرة على استهداف الإعلانات إلينا تحديداً على نحو أكثر فأكثر. وتلمس هذه القضية صلب ما تتمحور حوله أعمالها».

ويضيف أسعد السيد، أستاذ علوم الحاسوب: «من دون البيانات، ستكون الشبكة أقل اهتماماً بكثير بالنسبة للمعلنين، ولن تكون إمبراطوريات الشبكة التي بنيت على دولارات الإعلانات مثل تلك الموجودة في يومنا هذا، قائمة على الإطلاق».

إذا برزت المخاوف بشأن حدود الخصوصية على الإنترنت إلى واجهة العناوين الرئيسة هذا العام، فإن شركات الإنترنت بحد ذاتها هي السبب، فقد فاقم الطموح التجاري تلك المشكلة، ويقول السيد: «يجري سباق مخيف إلى قاع الخصوصية الذي نشهده الآن».

شركات توظف «مخبرين» على الانترنت

تولي الشبكات الاجتماعية الآن اهتماماً كبيراً لتعرف ما يقوله الناس عنها وعن منتجاتها، كما أن بعض الشركات توظف أشخاصاً مهمتهم الوحيدة هي مراقبة المحادثات التي تدور عنها على الإنترنت.

وقد صار المستهلكون مدركين أن الشركات تستمع إليهم، ولذلك فإنهم يسعون إلى نشر المزيد من التعليقات على الإنترنت عن المنتجات والخدمات، فنشر آرائهم يستغرق ثواني فقط، إلا أنه يحدث تأثيراً وصدى على نطاق واسع. فمن المعتاد أن الناس الذين يمرون بتجارب سيئة مع أحد المنتجات أو يكونون غير راضين عنه يبلغون من ستة إلى عشرة أشخاص آخرين بهذا الموضوع.

آفاق جديدة للمسوقين باستخدام الشبكات الاجتماعية

بالرغم من الجدل المتمحور حول الخصوصية على الفيس بوك، وغيره من شبكات الإعلام الاجتماعي، فإنه أصبح مرتعاً لتجارب التسويق. وأصبحت هذه الوسائل تساعد على إدارة الكم الهائل من المعلومات على شبكة الإنترنت.

فبدلًا من استخدام محركات البحث يتجه الناس إلى مواقع الشبكات الاجتماعية بحثاً عن مقالات ذات صلة باهتماماتهم، كما يتلقى الناس أيضاً المعلومات عن أفضل المنتجات مثلاً ويقومون بتوزيعها عن طريق ما يرسلونه من رسائل على مواقع الشبكات الاجتماعية.

وكان الجمهور في السابق يعتمد على وسائل الإعلام المطبوعة مثل الصحف والمجلات للاطلاع على الأحداث الجارية، ولكن مع ظهور وسائل الإعلام الاجتماعي، تكاد وسائل الإعلام المطبوعة أن تنقرض.

في حين تقدم مواقع الشبكات الاجتماعية اشتراكات مجانية وتوفر تحديثات فورية للأخبار، نجد أن الصحف والمجلات صارت تكافح لتحقيق أرباح في منافسة مع المدونين وغيرها من مصادر الأخبار غير التقليدية التي تقدم الأخبار، لأنها تخدم مصالحها وليس لأنها تحتاج إلى الربح.

دبي ـ رولا علي