اشترى رجل، أخيرا، محطة فضاء مقابل 300 ألف دولار، وفي الشهر الماضي أنتجت شركة «سمول بلانت فودز» التابعة لشركة «جنرال فودز» منتجا جديدا من التوت الأزرق العضوي. هل تعرف ما هو العامل المشترك بين هاتين المعلومتين؟ كلتاهما ليس لها وجود. اللهم إلا أنهما مجرد نقاط على شاشة الكمبيوتر في العالم الافتراضي، الذي يتم الحديث عنهما فيه. الشيء الحقيقي الوحيد هو المال.
فالمحطة الفضائية بيعت في «كون الانتروبيا» في العالم الافتراضي، الذي له اقتصاده الخاص وعملته. المشتري الذي حول 300 ألف دولار إلى 3,3 ملايين بي إي دي (دولارات مشروع انتروبيا)، مقتنع بأن المتاجر الافتراضية على محطته الفضائية الافتراضية يمكن ان تنتج أرباحا افتراضية، يستطيع تحويلها مرة أخرى إلى دولارات حقيقية.
والتوت الأزرق العضوي يمثل امتدادا لصنف من المنتجات موجود في العالم الحقيقي، حيث تؤسس شركة «جنرال فودز» الأميركية وجودا لها في «فارم فيل»، وهي لعبة توجد ضمن تطبيقات موقع «فيس بوك»، التي وصل عدد اللاعبين عليها، في ذروته، إلى نحو 80 مليون لاعب، وذلك بحسب تقرير نشرته صحيفة «جارديان» البريطانية.
العالم الافتراضي هو عالم بديل يتشكل في ذاكرة الحاسبات، يخلق حالة من الحضور المكتمل، ويعطي افقا آخر لتطور البشرية. عالم يصنعه الكمبيوتر، بحيث يمكن للإنسان التفاعل معه آنياً، الأسلوب نفسه الذي يتفاعل به مع العالم الحقيقي. ويتم حاليا تطوير تكنولوجيا الهواتف النقالة، بحيث يتم إحداث نوع من التزامن بين ما يحدث في العالم الافتراضي والحقيقي.
وهناك مشروع ضخم، تتضاءل أمامه كل العوالم الافتراضية الأخرى، ويسمى «بروجكت إكس»، ويهدف إلى بناء عالم افتراضي بحجم كوكب الأرض، ويمكن لمستخدميه بناء بيوت مماثلة لبيوتهم وحياة كاملة مماثلة لحياتهم في الطبيعة.
وسيغير هذا المشروع طريقة استخدام الانترنت، بحسب القائمين على المشروع. فمثلا، المزارعون في «فارم فيل» يشترون حيوانات مشابهة لحيوانات أفلام الكرتون، والتي يجب تغذيتها بانتظام، أو محاصيل تحتاج إلى مخصبات (افتراضية بالطبع)، لتساعدها على النمو، حتى يكونوا أكثر نجاحا من أصدقائهم.
ولعبة «ريل تايم» لها عملتها الخاصة الافتراضية، التي تجعل من الأسهل على الأعضاء البيع والشراء، وتحقق الأرباح لمصممي اللعبة. وتحقق شركة «زنجا» عائدات تقدر بنحو 600 مليون دولار في العام، تأتي بصورة أساسية من لعبة «فارم فيل»، رغم وجود أكثر من 10 ألعاب منافسة مشابهة على «فيس بوك». والمعروف أن أصول «زنجا» تقدر بما بين 4 إلى 5 مليارات دولار، بناء على قيمة الاستثمارات المودعة فيها.
بالنسبة للكثيرين سيبدو هذا الأمر ضربا من الجنون: لماذا ننفق المال الحقيقي لشراء عملة افتراضية لابتياع غذاء، لإنقاذ حيوان وهمي من الموت جوعا؟ الإجابة السهلة على هذا السؤال هي ولم لا.
الأطفال معتادون على ذلك، أو ربما هذا هو ما سيكون عليه الوضع في النهاية. فموقع «هابو هوتيل» الذي يرتاده الشباب هو عالم افتراضي، يتبادلون خلاله البضائع والملابس، وقد ارتفع عدد مستخدميه من 160 مليونا إلى 175 مليونا، خلال العام الماضي فقط.
وهناك موقع «موشي مونسترز» الذي ينطلق من لندن، ويرتاده الأطفال ما دون سن المراهقة، ويتبادلون فيه بضائع افتراضية أيضا، وبه 20 مليون مستخدم، مقارنة مع 12 مليوناً فقط في نهاية العام الماضي. ربما لا يزال هذا الكلام يبدو من قبيل الخيال، لكن هذا هو ما تتجه إليه الحياة الحقيقية.
وبحسب بعض المحللين، فإننا في وسط ثورة افتراضية، ربما تعد في يوم من الأيام بمثل أهمية الثورة الصناعية. ويقول نك ميثام مؤسس شركة «كي زيرو»، وهي شركة استشارات مقرها كامبردج إن هناك 175 عالما افتراضيا نشطا، أو في طور التجريب، وإن عدد المستخدمين المسجلين في عضويتها ارتفع من 880 مليون مستخدم، في الربع الأخير من العام 2009، إلى 1,1 مليار مستخدم في الوقت الحالي، وهو ما يمثل زيادة بمقدار الربع خلال ستة أشهر، في وقت يمر العالم بمرحلة ركود اقتصادي.
عصام بيومي