في هذة المقالات التي ينشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.
ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.لم يكن من السهل أن يعمل أستاذ أكاديمي مثل جيورجي ليفي ديلا فيدا، بمواقفه الواضحة، تحت ظل الفاشية التي ضيقت الخناق على كل الباحثين والمبدعين.
ورفض الامتثال إلى الإدلاء بقسم الولاء للحكومة الفاشية آنذاك، فتم طرده من وظيفته الجامعية، فاشتغل في مكتبة الفاتيكان في الفترة ما بين 1932 و1939، حيث كلفه الفاتيكان بفهرسة المخطوطات العربية والإسلامية الموجودة فيها التي وصلت إلى أكثر من 1200 مخطوطة.فأنار به طريق الباحثين والمستشرقين إلى هذا التراث. يعود حبه للغة العربية منذ عام 1914 حيث بدأ بتدريسها في «المعهد الشرقي» في نابولي طيلة عامين. وبعد مرور عام على ذلك، حصل على كرسي العبرية واللغات السامية المقارنة في جامعة تورنتو. ثم انتقل إلى جامعة روما في عام 1920 حيث خَلَف أستاذه اجنتسيو جويدي طيلة عشرة أعوام.
مجيء الفاشية إلى سدة الحكم، جعله يرحل إلى جامعة فيلادلفيا ليشغل فيها كرسي اللغات السامية. وكان الباحث المعروف نعوم تشومسكي أحد تلامذته آنذاك. واستمر يدرّس هناك إلى أن انتهت الحرب في 1945.
وعاد إلى روما في عام 1947، ليشغل كرسي اللغة العبرية واللغات السامية المقارنة، ثم انتقل منه إلى كرسي «التاريخ الإسلامي والنظم الإسلامية». ومن المعروف أنه ساهم في تشكيل الدراسات الشرقية والإسلامية في ايطاليا.
ويعود إليه الفضل في تأسيس «الدراسات الشرقية» إلى التوسع وعدم حصرها بالدراسات اللغوية السميولوجية فقط، بل إن جهوده واكتشافاته وكتاباته ساعدت الأكاديميين المتخصصين لمواصلة عملهم في هذا الميدان الشائك.
أنساب العرب والخيل
يندرج إنتاجه العلمي المتشعب تحت ثلاثة محاور هي: الدراسات العربية والإسلامية. اللغات السامية: العبرية، والسريانية. والنقوش الفينيقية الحديثة. هذا المزيج من الدراسات أعطاه رؤية شمولية لما قام بتحقيقه وانجازه وخاصة في الثقافة العربية والإسلامية.
وأول عمل قام به في هذا المجال، تعاونه مع المستشرق الأمير ليوني كيتاني في كتاب تحت عنوان «خلافة عليّ وفقاً لكتاب ـ أنساب الأشراف ـ للبلاذري» (والبلاذري هو أبو الحسن، وقيل أبو بكر، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري مؤرخ وراوية نسابة وشاعر عمل في بلاط الخلفاء العباسيين).
وتقوم هذه الدراسة بتحليل الخلافة الإسلامية في عهد الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، اعتماداً على نسخة مصورة حصل عليها كايتاني؛ وقارن بين أقوال كل من البلاذري والطبري وغيرها من المصادر القديمة.
وبعد ثلاثة وعشرين عاماً، ترجم القسم الخاص بمعاوية في كتاب «أنساب الأشراف» تحت عنوان «خلافة معاوية الأول وفقاً لكتاب أنساب الأشراف للبلاذري» الذي صدر في روما عام 1938.
وهذه الدراسة قادته إلى دراسة كتاب «الجمهرة في النّسَب» لابن الكلبي، الذي توجد منه نسخة وحيدة ورديئة في مكتبة الأسكوريال الشهيرة. وكانت لديه رغبة في تحقيقها إلا أنه لم يتمكن من تحقيق رغبته تلك، لذا اقتصر بحثه على استخراج جداول الأنساب.
وبعد خروجه من هذه التجربة، أصبح متضلعاً في علم الأنساب عند العرب. وكان نتيجة ذلك أن عهدت إليه «دائرة المعارف الإسلامية» كتابة الحقل المتخصص بالأنساب العربية. وكذلك «دائرة المعارف الإيطالية» بكتابة مادة العرب.
وواصل أبحاثه في هذا الميدان، وتمكن من تحقيق نصّين صغيرين في الخيل: أحدهما لهشام ابن الكلبي، والآخر لمحمد بن الأعرابي، وهما في ذكر أسماء الخيل في الجاهلية وأصحابها ومنازعات القبائل بصددها والأشعار التي كُتبت فيها، صدر الكتابان في مجلد واحد في ليدن عام 1938 كما يؤكد عبد الرحمن بدوي.
العبرية والعربية والنقوش الفينيقية
أما في ميدان الدراسات الأدبية العربية، فقد أسهم بالعديد من الأبحاث الأصلية، أبرزها «طبقات الشعراء» لمحمد بن سلاّم 1920 و«بعض أبيات من الشعر للخليفة يزيد الأول» 1926 و«بمناسبة السموأل» 1931.
واستفاد المستشرق من فترة إقامته في الولايات المتحدة، فاطلع على المخطوطات العربية والإسلامية فيها، وكتب بحثاً مطولاً بعنوان: «الترجمة العربية لتواريخ أوروسيوس».
وفي ميدان اللغات السامية، كتب مقالاً عن «بروسوس المنحول في اللغة السريانية»، وآخر عن «آداب فيثاغورس في ترجمة سريانية»، وكتاباً عن «أطوار بين أقوام البلاد» لابن ديصان عام 1921.
وكتب فصلاً بعنوان: «في خصائص الساميين» ضمن كتاب «التاريخ والدين في الشرق السامي» 1924. وتوسع في هذا الموضوع في ثلاث محاضرات ألقاها في الكوليج دي فرانس، وصدرت بعنوان: «الساميّون ودورهم في التاريخ الديني» بالفرنسية 1938.
النقوش
أما في ميدان النقوش، فقد قام بقراءة ودراسة النقوش الونية «الفينيقية» المنقوشة التي عثر عليها في سردينيا، وصقلية وطرابلس في ليبيا حيث قام بدراستها خلال خمسين عاماً.
وأما كتبه الأخرى فهي: «النقوش الونية الحديثة في ولاية طرابلس بليبيا» 1927 و«النقوش الونية الحديثة في حمامات لبدة»، وهي مدينة رومانية الأصل في طرابلس تقع على ساحل البحر كما ذكرها عبد الرحمن بدوي في موسوعته.
يرى المستشرق الإيطالي «أن مصادر التاريخ العربي القديم تغلب عليها النقوش الرمزية، فأغلب مصادر التاريخ العربي الوسيط، قبل ظهور الإسلام كانت أدبية. وهي تشبه في بعض وجوهها المصادر التي نعرفها عن التاريخ اليوناني والروماني واليهودي».
ويضيف: «إن المصادر العربية من الشعر العربي الأخير جمعها علماء العصر الإسلامي ويجب فحصها ونقدها بسبب التباين في شرحها». وكانت له آراء في الشعر الجاهلي، وانتحاله:
«لا يمكن أن نعتبر الجانب الديني أو ضعفه في الشعر الجاهلي عاملاً كافياً لجعله مصنوعاً أو موضوعاً. فمجموع الرواية الشعرية في جملتها أصيلة رغم أن الشعراء الجاهليين صوروا لنا الحياة البدوية العربية في الجاهلية في أجلى مظاهرها كالفروسية. وهذا الجانب البطولي مشابه في بعض الوجوه مع المثل العليا لقصيدة أوديسا لهوميروس، والقصيدة الفرنسية البطولية والملحمية».
شاكر نوري


