عاد بذاكرته إلى الوراء سنوات طويلة ليتمكن من استعادة شريط تملأه قصص وحكايات مثيرة وطريفة عن شهر رمضان المبارك، استغرق وقتاً ليعيد الزمان إلى توقيت يناسب ذاكرته، وتوقف عن السرد مرات عديدة حتى يتحقق من الواقعة قبل أن يذكرها.

أكد سامي عيسى الموظف في جمارك دبي أن ذاكرته تحمل العديد من الذكريات مع الشهر الكريم، ليس فقط للمكانة الدينية التي يتمتع بها الشهر، ولكن لأن طبيعة الحياة اليومية تتغير فيه لتأخذ منحنى جديداً يعتمد على الاتصال الأعمق بالله عز وجل من خلال الطاعات والذكر، كما يعتمد على العادات والتقاليد التي تعود على المجتمع عبر مئات السنوات التي مر عليه فيها هذا الشهر الفضيل.

تشجيع الوالد

يذكر عيسى أنه بدأ الصيام عندما كان عمره 7 سنوات، يقول: كنت متحمساً لتقليد الكبار في الالتزام بهذه العبادة، وقررت في هذه السن المبكرة أن أبدأ الصوم، وعندما شعرت بالعطش الشديد في أول أيام رمضان من ذلك العام أخبرت والدي الذي أخبرني أن أتناول قليلاً من الماء ثم أواصل الصوم.

وبالطبع أدركت فيما بعد أنه قصد بذلك تشجيعي على إتمام صوم اليوم حتى أشعر ببهجة الإفطار، إلا أنني قررت في اليوم التالي الصوم بدون تناول أي شربة ماء، وقد كان.. ومن وقتها وأنا أحرص بفضل الله على الصوم بانتظام.

يضيف سامي: أذكر أن المناخ كان معتدلاً في أول رمضان صمته، فلم يكن الطقس شديد الحرارة، وربما كان ذلك حافزاً إيجابياً مشجعاً على الصوم، وكنت أحرص على ارتياد المسجد الذي يعمل به الوالد إماماً ومحفظاً للقرآن الكريم.

واستفدت من هذه الصحبة حيث حفظت على يديه أجزاء من كتاب الله، وأذكر أن حفظ كتاب الله كان مجالاً للمنافسة بين أبناء الحي، وكنا نتطلع إلى ختم كتاب الله أكثر من مرة خلال الشهر.

شهر الخير

يشير عيسى إلى أن رمضان في الماضي كان يشيع بين الجيران جواً من الإخاء والتكافل والتعاون.. يقول: عندما يهل علينا الشهر تنفتح أبواب البيوت ويتنقل بينها الخير كما تتنقل نسمات الهواء وقت المغرب، ولم لا، فكل واحد من أبناء الفريج يعرف جاره حق المعرفة، إن لم يكن بسبب علاقة القربى، فعلى الأقل بسبب الصداقة التي تربط ما بين الكبار، وبيننا نحن الصغار.

وأعتقد أن هذه الظاهرة اختفت من مجتمعنا في رمضان الذي يمر بنا خلال الفترات الحالية، فكل دار تغلق أبوابها على أبنائها ولا يعرف الجار جاره ولا يرى كل منهما الآخر إلا في أضيق المناسبات، وفي حالات كثيرة ينتقل الجار إلى مسكن جديد وتنقطع أخباره ويحل محله آخر وهكذا.

يتابع عيسى: على أيامنا لم تكن المحطات التليفزيونية متعددة مثلما نرى اليوم، كانت محطتان أو ثلاثة، وكانت تساعد الشباب على حسن استثمار الوقت في العبادات لأنها كانت تبث برامج دينية خلال معظم أوقات البث، ولذلك أحرص على تنشئة أبنائي في نفس الجو الذي نشأت فيه وهم يحرصون على الصوم وحفظ القرآن خلال رمضان.

التسوق

يتذكر سامي عيسى مظاهر التسوق خلال أيام رمضان قديماً قائلاً: كان بيتنا في منطقة نايف، وكنا نحرص على تسوق احتياجاتنا الفعلية فقط من المنتجات الغذائية حتى لا يكون مصير الفائض سلة المهملات.

وأعتقد أن البعض لا يزال يطبق هذه النظرية عند التسوق في أيام رمضان حالياً، بينما خرج البعض الآخر على مقتضيات الحكمة وأسرف في شراء بضائع ومنتجات غذائية كثيرة تفوق حاجته الفعلية، وأعتقد أن الناس أيام زمان كانت تدرك أن رمضان شهر تقليل كميات الطعام وليس زيادتها.

بالإضافة إلى ذلك كانت الأصناف المتوافرة في الأسواق وقتها تتميز بالبساطة، ولا تشجع على الإسراف في الشراء.

صحبة البحر

يشير عيسى إلى دور المجالس الرمضانية في تقريب الأفكار واجتماع الآراء وحسن استغلال الوقت وتقوية صلة الأرحام، يقول: كان لدي مجموعة من الأصدقاء منهم يحيى بن ساحم، كنا نحرص على المشي بصفة شبه يومية خلال فترة ما قبل الإفطار.

وكان يسكن منطقة جميرا، فكنا نختار منطقة الكورنيش للتمشية ولصيد السمك أحياناً، وتربطنا بالبحر صحبة قديمة تتوطد أكثر خلال رمضان، أيضاً كنت أحرص مع زمرة من الأصدقاء على حضور المجالس الرمضانية التي نستفيد منها كثيراً حيث نستمع إلى أفكار وخبرات الكبار، وكان وسيلة لزيادة الروابط بين الناس وتقوي صلة الرحم بين الأقارب.

وعن أهم ما يميز رمضان في الزمن الماضي يقول: كان جميع أفراد الأسرة يحرصون على تناول وجبة الفطور في منزل العائلة، وكانت فرصة للتجمع والاطمئنان على بعضنا البعض، أما الآن فقد اختلف الوضع، أصبح أفراد الأسرة حريصين على التجمع فقط في يوم الجمعة بسبب اختلاف مواعيد الدوام ومواقع السكن.

أيمن حجازي