لا يزال التاريخ يطفو على سطح مياه خور دبي من آن إلى آخر، ليظهر للعالم مفردات التراث الإماراتي الأصيل التي يحافظ عليها المجتمع جنباً إلى جنب مع مظاهر الحضارة الحديثة لتجمع منطقة الخور بين أصالة وعبق الماضي وروعة الحداثة في أبهى صورها.

ومفردات التراث المحلي لا تظهر إلا من خلال من يعرفها ويقدرها ويحسن تقديمها إلى الأجيال الجديدة التي لم ترها ولم تستخدمها وهذه المفردات تتمتع بشخصية اعتبارية واضحة لا تخطئها العين فقد كانت في مرحلة ما هي العمود الفقري للمجتمع وأفراده وفي قرية البوم السياحية تجد أصالة الماضي تجتمع بين جدران صالة التراث التي أقامتها القرية مؤخراً، لاستحضار مظاهر التراث ومفرداته بمناسبة شهر رمضان المبارك كما يقول عبد الله بن حارب الفلاحي، رئيس مجلس إدارة قرية البوم السياحية.

مواكبة التحضر

ويضيف الفلاحي أن فكرة إقامة موقع سياحي رمضاني ليست جديدة لأن القرية تأسست منذ 26 عاماً لتكون مركزاً للحفاظ على التراث المحلي خاصة وأن مفردات هذا التراث تتعرض للاندثار مع التوسع الحضاري والعمراني الذي تشهده البلاد وبالطبع لا بد أن نواكب التحضر حتى لا تسبقنا الأمم ولكن من المهم أيضاً أن نحافظ على تاريخنا وحضارتنا القديمة ضماناً لئلا تنساها الأجيال الجديدة.

يشير الفلاحي إلى بدايات الفكرة عندما كان البحث جارياً عن خيمة رمضانية لا تقام بها مظاهر مخالفة للشريعة الإسلامية فقد جرت العادة أن تقدم الفنادق خلال السهرات الرمضانية حفلات موسيقية أو استعراضات فنية أو حفلات غنائية وكذلك خدمات سياحية تعقب وجبة الإفطار مثل الشيشة أو النرجيلة وغيرها .

وفكرنا في إقامة قرية صالات كبيرة في منطقة الظفرة في أبوظبي نعود بها إلى المظاهر التراثية القديمة والنابعة من البيئة الطبيعية للدول العربية وخلال 6 سنوات استطعنا تجهيز صالات الأعراس الموجودة في منطقة الظفرة بأبوظبي على شكل تراثي يختلف في كل عام عن سابقه فمثلاً وضعنا الديكور الأردني في أحد الأعوام والمغربي والمصري والسوري والعراقي وهكذا.. ولاقت الفكرة قبولاً من العملاء حيث أقبل الصائمون لتناول الإفطار ومشاهدة مفردات التراث التي تخص إحدى الدول العربية.

جمال الصحراء

وعن الديكور الثابت يقول الفلاحي: تبين لنا مع الوقت أن عناصر الديكور المستخدمة في الصالات والتي تتكلف مبالغ طائلة لا تفيدنا إلا أثناء الشهر الفضيل ثم نضطر إلى تفكيكها وإزالتها لإعادة الديكورات التقليدية خلال الأيام العادية وفكرنا في إقامة ديكور ثابت يتناسب مع شهر رمضان المبارك وباقي شهور السنة ووقع الاختيار على تراثنا المحلي لنضعه بين أيدي ضيوف دبي وأبنائها جنباً إلى جنب مع مظاهر الحضارة والمدنية الحديثة التي تتمثل في الأبراج العملاقة وناطحات السحاب.

كما أردنا إظهار جمال الصحراء وروعة مفردات التاريخ التي قد يطويها النسيان في غفلة عنا ونحن أمناء عليها فقمنا بتجهيز هذه الصالة المغطاة على المساحة الممتدة إلى جوار جسر القرهود ومن المصادفة أن تكون هذه المنطقة هي نفسها التي كان يجتمع بها ركاب السفن والمراكب التجارية التي كانت تجوب خور دبي المعروف عنه تاريخياً أنه شريان التجارة بالنسبة لدبي.

ويضيف عبد الله بن حارب الفلاحي أن الهدف المبدئي من الصالة التراثية كان التمتع بالعادات القديمة مثل شرب الشاي والقهوة العربية وتناول الخمير والأكلات الشعبية في منطقة قريبة من المناطق التي تشهد التطور العمراني الضخم بما يسمح بتوفر كل مظاهر الماضي ومفرداته وأضفنا خارج هذه الصالة حديقة خارجية ملحقة بالصالة ولعل هذه الحديقة مقصد أطفال رواد القرية باعتبار عدم توفر الخضرة الطبيعية في طبيعتنا.

ويؤكد الفلاحي أن بعض الضيوف من المواطنين يستعيدون ذكرياتهم مع الماضي عندما يدخلون العريش ويشمون رائحته ورائحة الحصير المصنوع منه ويسترجعون ما مضى مع أصدقائهم متذكرين أنهم عاشوا في مثل هذا العريش يوماً ما ويتذكرون السجاد وغيره من مظاهر التراث التي يشاهدونها هنا في الصالة وهذا إن دل على شيء فهو يدل على نجاح مفردات التراث في استحضار الماضي.

خدمات راقية

وعن التكلفة المادية التي احتاجها إنشاء وتجهيز الصالة يقول عبد الله الفلاحي إنها كانت تكلفة كبيرة ويضيف أن تقديم عنصر سياحي جديد في دبي لا بد أن يتكلف مبالغ باهظة والمشروع إذا لم يكن على المستوى الراقي في الخدمات الذي وصلته الخدمات السياحية في دبي فلن يقبل عليه أحد وقد تعلمنا من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله أن نقدم أفضل ما لدينا لدبي لأنها تستحق ذلك ونحن نعرف أن الخدمة الجيدة سوف تتكلف تكلفة باهظة واخترنا هذا الطريق لنكون على المستوى الذي يتوقعه منا العميل ويرضي ضيوفنا وضيوف دبي.

ويشير الفلاحي إلى وجود البدائل التي يتوقعها ضيوف الصالة التراثية مثل أجهزة التليفزيون الخاصة بكل خيمة على حدة لمتابعة البرامج المفضلة.. ويحيط بذلك كله جو تراثي مشوق يبدأ منذ دخول الخيمة أو الصالة حيث يحاط الباب من الجانبين بنموذجين لبرجين من أبراج المراقبة التي كانت تستخدم قديماً في تأمين حدود البلاد وسواحلها من الأعداء وهذه النماذج مطابقة من حيث التصميم للأبراج القديمة التي لا يزال بعضها موجود في الواقع كأحد الآثار القديمة ولكن بالطبع تختلف عنها من حيث الحجم والمواد التي صنعت منها ويمكن أن نطلق عليها أيضاً (الحصن).

وبمرور الضيف من بين هذين البرجين يبدو وكأنه ولج إلى داخل الدولة، أيضاً تعبر المدخنة التي تتوسط الصالة عن جزء مهم من الممارسات التي يهتم بها أبناء الإمارات بصفة عامة وأبناء منطقة الخليج بشكل خاص وهي إطلاق البخور وكانت قديماً تستخدم الفحم وربما لا يزال البعض يستخدمها بتلك الطريقة في حين ظهرت المباخر الحديثة التي تستخدم التيار الكهربائي في تسخين الدخون.

ويضيف عبد الله الفلاحي أن أحد مظاهر الإمارات التراثية هو الفنار الذي يضيء الشاطئ للسفن القادمة إليه من البحر لتهتدي إلى الساحل وهذا الفنار لم يكن في الماضي يعتمد على الكهرباء ولكن على النار إذ لم تكن الكهرباء معروفة في تلك الأوقات، أيضاً نرى دلة القهوة في أكثر من نموذج في أنحاء الصالة وهذه الدلة لا تزال مستخدمة في تقديم القهوة العربية حتى يومنا هذا وإن كنا نعتبرها من مفردات التراث القديم لأنها تستخدم منذ فترة زمنية طويلة.

الجهات السياحية غائبة عن الصورة

أكد رئيس مجلس ادارة قرية البوم السياحية عبدالله الفلاحي أنه على الرغم من كون قرية البوم حملت راية تنشيط السياحة في دبي منذ ما يزيد على 26 عاماً وعلى الرغم من أن أولى الرحلات السياحية البحرية التي شهدتها شواطئ دبي كانت من قرية البوم السياحية.

كذلك أول مطاعم عائمة عرفتها السواحل كانت من هنا إلا أن التنسيق والدعم غائبان بيننا وبين أي جهة معنية بتنشيط السياحة وفي البدايات كان هناك تنسيق ودعم من غرف التجارة والصناعة والوزارات المختلفة وأثمر هذا التعاون عن تقديم الصورة الحقيقية للدولة كواحدة من الوجهات السياحية المفضلة لدى العديد من الجنسيات العربية والأجنبية كما ساهم في دفع حركة الإقبال السياحي من جانب الضيوف الأوروبيين واستقطاب الكثيرين منهم إلى المنطقة.

أما في الوقت الحالي فالمنافسة على أشدها بين الجهات التي تقدم خدمات سياحية وإذا تطلعت إلى البرامج التي تقدمها بعض الفنادق للسائحين الأجانب تجدها قاصرة على ارتياد الصحراء بينما تراثنا له مفردات أخرى كثيرة إلى جانب الصحراء.

دبي - «البيان»