البحر لا يبتعد أكثر من مئتي متر عن مدى نظري عبر زجاج شباك المكتب، مما يتيح لي رؤية زرقته المتدرجة من الفيروزي إلى الكحلي الغامق بزاوية واسعة تقترب من نصف الدائرة.
أشعر كلما نظرت إليه بشكل شبه يومي لأحظى بهذه الإطلالة المبهجة، أنني قد شُملتُ بنعمة كبيرة وأنني على نصيب وافر من التوفيق. كثيرون يحرصون على استئجار مكان كهذا لكنهم يفشلون بمثل هذا الجوار العالي لأكثر من سبب.
حينما يكون موقع العمل بجوار البحر يصبح المناخ الداخلي للعمل إيجابيا وأكثر راحة. فالنظر إلى البحر بين فينة وأخرى يشحن الموظفين بطاقة إضافية تجعلهم أكثر حيوية وتحملا لضغوطات العمل النفسية والذهنية شبه اليومية. إن ما يدفع من زيادة إيجار في مبنى قرب البحر يُسترده معوضا في شكل زيادة إنتاج. فمناخ العمل الإيجابي يزيد ليس فقط في الإنتاج بل في ارتفاع نسبة الجودة أيضا.
إن هبات البحر كثيرة ولا تتوقف عند حد. من هذه الهبات أنه أكسب ذهنية الإنسان قابلية دائمة على الانفتاح فيصبح النقاش معها ليس متعبا، وغالبا ما تتمتع باستعداد لتفهم ما قد يبدو صعبا وغير عادي من الأفكار والمسائل.
في حين أن الإنسان الساكن جوار الصحراء على سبيل المثال، أو في الصحراء، يختلف في هذا الجانب؛ فهو يتمتع بذهنية (مُتعبة) إلى حد ما فلا تكاد تطرح عليه موضوعا أو أمرا يقتضي المناقشة إلا وتراه أقرب فيه إلى الرفض منه إلى مناقشته وتبين تفاصيله. ثمة خوف يتوارى في نفسية الصحراوي، زرعته فيه الرمال التي لا تثبت على حال والسراب الرجراج الذي لا يكاد يفارقه في قيظ نهاراته.
ذلك النوع من الخوف هو الذي ربما جعله لا يطمئن لأي جديد أو طارئ خصوصا إذا كان بحمل وقع المفاجأة. الصحراوي يتوقع باستمرار المفاجآت لكنه يكرهها. بيئته تعج بالمفاجآت غير السارة؛ فما الذي يُتوقع من ثعبان يخرج من وسط الرمال ليلتف على قدميه العاريتين غير لدغة قد تؤدي بحياته.
بعكس إنسان البحر (البحري) الذي وإن كانت بيئته لا تخلو من مفاجآت هي الأخرى، فإن تلك المفاجآت تبقى محدودة وفي دائرة السيطرة؛ فهو يعلم مواسم الريح فيحتسب لها، ويعرف أن أخطر سمكة مفترسة يمكن أن تؤذيه هي سمكة القرش، أما ما دون ذلك فتدبر أمره يكون هينا عليه.
يبقى القول إن نسبة مرضى القلب بين سكان الساحل هي أقل بكثير منها لدى سكان المدن غير الساحلية، فضلا عن أن نسبة متوسط الأعمار مرتفعة في السواحل؛ فأكبر معمر في العالم لا يزال يابانيا. ناهيك عما يفعله الهواء المشبع باليود من تأثير مباشر وإيجابي على غدد النمو لدى الإنسان خصوصا الأطفال..(لدى الأطباء الكثير من هذه الأخبار السارة).
إن نسبة الانتحار بين سكان السواحل هي الأخرى منخفضة جدا مقارنة بسكان المدن النائية عن البحر، خصوصا تلك المحاطة بسلاسل جبلية صلدة وموحشة تستجلب الكآبة التي قد تشكل مضاعفاتها حالة (مغلقة) لدى الإنسان تدفعه إلى ارتكاب فعل لا إنساني هو الانتحار.
في حياتنا المعاصرة الصاخبة، بات من شبه الضروري دخول البحر كعامل رئيسي في المرئيات اليومية للإنسان، تماما وبالقدر نفسه، دخول الصحراء الشاسعة، النظيفة والندية، اللامحدودة.
ناصر محمد العمري- الإمارات