في هذة المقالات التي تقوم بنشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.

ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.قالوا بأنه شيخ المسشترقين الألمان بلا منازع. يعتبر كتابه «تاريخ القرآن» حجر الزاوية في أعماله التي فاقت العشرات. كان تيودور نولدكه، أستاذ المستشرق كارل بروكلمان صاحب «تاريخ الأدب العربي» الذي يُعد من أبرز أعمال المستشرقين.

ويكاد يكون«تاريخ القرآن» مصدراً لكل الدارسين للإسلام من المستشرقين الأوروبيين والغربيين وحتى العرب على السواء لأن الساحة الأستشراقية لم تقدم عملاً كهذا منذ سبعين عاماً. وقال عنه المستشرق البريطاني آرثر جفري: «إنه أساس كل بحث في علوم القرآن في أوروبا». وأعده معظم الباحثين والمستشرقين على اختلاف آرائهم بأنه واحد من أهم البحوث القيمة التي صحّحت مفاهيم الغرب عن الإسلام والعرب وبددت المفاهيم الجامدة التي تعلق بها سنوات طويلة. كان عبقرياً بكل المقاييس، فقد قدم في العشرين من عمره كتابه «تاريخ القرآن» ، وهو في الأصل عبارة عن رسالة دكتوراه باللغة اللاتينية بعنوان: (حول نشوء وتركيب السور القرآنية) تقدم بها المستشرق الألماني نولدكه عام 1856 إلى جامعة جوتنجن للحصول على الدكتوراة وكان عمره عندئذ عشرين عاماً، وحصل عليها بالفعل بمرتبة الشرف الأولى.

كما حصل نولدكه عام 1858 بهذه الرسالة على جائزة من فرنسا خصصت لأفضل كتاب أُلِّف في أوربا عن كتاب مقدس. ثم صدرت في عام 1860 تحت عنوان«تاريخ القرآن» ، في ثلاثة مجلدات «الوحي إلى محمد (ص) بين الإنكار والتفسير النفسي، والوحي إلى محمد (ص) هل هو صوت داخلي والنبي (ص) والمرجعية هل ثمة تحول.

إن أهم كتاب أُّلّفَ حول القرآن على الإطلاق في أوروبا هو كتاب «تاريخ القرآن» . وفي هذا الكتاب الضخم الذي تعاقبت على تصحيحه وإكماله أجيال من المستشرقين بعد نولدكه، نجد بحوثاً هامة جداً في مختلف المجالات تتسم بالدقة التاريخية والأمانة العلمية. وهناك من يعتقد أن سيطرة النزعة التاريخية ونزعة المقارنة وغير ذلك على تفكير نولدكه ومن أعقبه ساهمت في تغييب أو تهميش الجانب الروحي، أوصل إلى نتائج أخرى.

وهذا بحد ذاته ليس مأخذاً بقدر ما وجهة نظر الدارس أو الباحث إذ لا يمكن فرض منهجية معينة على هذا أو ذاك من المستشرقين ولكن يمكن مناقشته ومناظرته بصورة موضوعية.

ولا يمكن أعابة تمسك المستشرق نولدكه بالتحليل المنطقي التاريخي. وجدير بالذكر إن نولدكه في كتابه الضخم هذا، المكون من ثلاثة أجزاء عالج مسألة جمع القرآن الكريم وروايته، كما ناقش مسألة التسلسل التاريخي للسور واقترح ترتيباً لها، يختلف عن ترتيبها بحسب زمن نزولها.

لغط وسوء فهم لكتاب نولدكه

على الرغم مرور أكثر من نصف قرن على صدور «تاريخ القرآن» إلا أنه لم يترجم إلى العربية إلا مؤخراً. الترجمة الأولى لجورج تامر، أستاذ الفلسفة في إحدى الجامعات الألمانية. كما ترجمه أيضاً وقدم له قراءة نقدية الباحث د. رضا محمد الدقيقيي، وصدر مؤخرا عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر.

وقد أثار صدور هذا الكتاب الضخم المؤلف من 841 الكثير من اللغط وسوء الفهم، وخصوصاً نداء بعض المرجعيات الدينية في العالم العربي لمنع الكتاب من التداول بحجة أنه «يطعن بالقرآن الكريم وبالنبي (ص) وبأمهات المؤمنين، ويثير النعرات الطائفية ويمس مشاعر المسلمين» .

لكن كثير من المفكرين العرب يرون غير ذلك وأن كتاب نولدكه لا يحوي أي إساءة للتنزيل القرآني، وأن تاريخية النص لا تعني إلغاء أزليته. وكل ذلك مرتبط بالدراسات القرآنية في أوروبا واهتمام العلماء والمفكرين بالقرآن يعود إلى أوائل القرن الثاني عشر عندما قام الإنكليزي روبرت الكتوني سنة 1143 بأول ترجمة لاتينية كاملة للقرآن الكريم، وتوالت إثرها الترجمات والدراسات.

وحتى أواخر القرن السادس عشر، حاول الغرب أن يربط بين القرآن الكريم والإسلام بالطابع التركي، وما نتج عن ذلك من تهديدات عثمانية، ووصلت جيوشها إلى مشارف فيينا ما زالت تؤثر في تشكيل صورة الإسلام في أوروبا حتى يومنا هذا. لكن ومع نشوء المذهب الإنساني في أوروبا، تأسست نظرة أكثر إنصافاً للقرآن الكريم، حررتها من القوالب الجاهزة. وبعد ذلك، ظهرت عدة دراسات قرآنية تأثرت بالمنهجية التاريخية النقدية وعصر التنوير في منتصف القرن التاسع عشر في أوروبا.

«تاريخ القرآن» بعد الـ 11 سبتمبر

أقام معهد غوته ندوة خاصة للاحتفال بصدور الطبعة العربية لكتاب «تاريخ القرآن» ، معتبراً «أن هذا الكتاب يأتي ضمن الحاجة لتبادل الأفكار الدينية بين أوروبا وجوارها، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر» .

وهذه حقيقة، يجب إدراكها لأن نظرة الآخر ضرورية ماسة لنا، وهنا يجب أن نؤكد على موضوع الفهم التقليدي لنقل النصوص، وخاصة لنص نولدكه. والكتاب عامة هو مشروع حوار في ميدان الدراسات القرآنية والإسلامية، من خلال تزويدها بمادة نقدية غنية للإسهام في قراءة حديثة للتراث العربي الإسلامي.

وفي كل الأحوال، لا بد من اعتماد المنهج العقلي في صياغة المواقف من الاستشراق وأعلامه أي لا أن نرفضهم بمجرد اختلافهم مع رؤيتنا، وخاصة أن غالبية المستشرقين تناولوا إرثنا الروحي والتعامل معها من باب البحث والنقد والتمحيص.

فليس من المعقول أن نلجأ إلى الحجب والمنع والتكفير، خصوصاً أننا نتعامل مع مادة فكرية بحتة يمكن محاورتها ومحاججتها والرد عليها كما هو الحال مع كتاب «تاريخ القرآن» لنولدكه. وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهها إليه عدد من الباحثين العرب عن ألأخطاء التي وقع بها.

فإن حقل البحث الذي اختاره نولدكه واسع وشائك وبحر واسع، لذلك يجب أن لا يُنظر إلى العمل الخارق الذي أنجزه هذا المستشرق برؤية الأخطاء الصغيرة بسبب عبقرية اللغة العربية، العصيّة على الغربيين مهما تعملوا لغتنا العربية. ولربما لهذا السبب، يقول المستشرق الألماني:«إذا كان من ندم فلأنني درست علوماً لم أظفر منها في النهاية بنتائج حاسمة قاطعة» . ولاشك أن دراسته لتاريخ القرآن كانت من هذه العلوم الشائكة.

شاكر نوري