مع إغفال التوقيع على شبكة الانترنت، يصبح أكثر سهولة إغواء فتاة أو شتم محرر نجم في صحيفة كبرى، مثلما يمكن الاحتيال بالملايين على هواة اقتناء الأعمال الفنية حول العالم.
السلطات الإيطالية المختصة بمكافحة تهريب التراث الثقافي صادرت، مؤخرا، حوالي 500 من الأعمال الفنية المزيفة، وهي نسخ ذات جودة عالية ومطابقة تماما للأعمال الأصلية لفنانين بقامة ماتيس وماغريتي ودي شيريكو، من بين كثيرين غيرهم، وتقدر قيمتها بنحو سبعة ملاييين يورو.
وكانت هذه الأعمال المزورة محفوظة في بيوت عدد من هواة جمع الأعمال الفنية، الذين كانوا قد اقتنوها، كما هو مفترض، بنية طيبة خلال العام والنصف العام الأخيرين من مخازن أصحاب صالات عرض فنية غشاشين يبيعون تلك الأعمال عبر شبكة الانترنت.
بداية، انطلق التحقيق من دراسة أجريت على أعمال معروضة للبيع في أكثر مواقع للانترنت ارتيادا من قبل هواة الفن، حيث تمت مقارنة كاتالوغات الشبكة مع أرشيفات مؤرخي المادة للتحقق من مخالفات محتملة، واستمرت أعمال التحقيق 18 شهرا غطت كافة أنحاء إيطاليا تحت إشراف النيابة العامة في روما وباليرمو وريينا، في توسكان، حسبما أشارت مصادر قضائية ذكرتها وكالة (أنسا) الحكومية.
حتى هذه اللحظة، يشتغل المحققون على 12 اسما من الأسماء المشتبه بها وأصحابها متهمون بالتزوير والمتاجرة عن طريق الغش بالأعمال الفنية، لكن دون سجنهم احترازيا. أما المنهج الذي اتبعه المزورون فكان بسيطا.
حيث قام البائعون بتهويل الأمور من خلال استخدام اسماء مستخدمين مزورة وتضخيم تصنيفات جهات البيع على المواقع على اعتبار أنهم يمارسون عملهم لصالح دور مزادات تنشط على الشبكة وذلك لإزالة الشكوك حول صحة وأصالة الأعمال التي كانوا يبيعونها. تلك الآلية هي التي لفتت انتباه قسم التزوير والفنون المعاصرة في قوى الأمن الإيطالية وهي التي مهدت الطريق الذي سلكه التحقيق لاحقا.
الاختصاصيون المكلفون بمقارنة الأعمال الفنية المزيفة بالأصلية قيموا جودة النسخ بأنها (أكثر من جيدة). بينما تبين أن أثمن الأعمال المصادرة هو عمل يجسد (سان جيوفانينو) يعزى لفنان عصر النهضة جيدو ريني، حيث كانت اللوحة معروضة للبيع بسعر 300 ألف يورو، بينما تبين أن عملا للرسام تيوفيلو باتيني مباع ب600 ألف يورو كان حقيقيا، رغم أنه كان قد سرق في السابق من منزل أحد هواة اقتناء الأعمال الفنية.
هذه هي الحالة الثانية لعملية بيع غير قانونية لأعمال فنية عن طريق الوسائل البديلة التي تخرج إلى النور خلال أقل من أسبوع، إذ كانت دائرة الحرس الضريبي في مدينة البندقية قد اكتشفت قبلها بأسبوع واحد فقط، أثناء عملية كانت تقوم بها تدعى (آرت إن بلاك)، حالة تهرب ضريبي قيمتها 91 مليون يورو لمبيعات أعمال فنية تمت عبر الهاتف.
وشملت عملية التهرب الضريبي هذه امتيازات لمبيعات ثانية وثالثة يدفعها الجميع تقريبا للفنانين أو الورثة، بينما لا يتم التعامل مع هذه الحالة على هذا النحو في بلدان أخرى مثل الأرجنتين، حيث لا وجود لتلك المشكلة، لأنه إذا تحسن السعر بعد البيع، فإن الفنان لا يرى أي أموال من جديد.
يذكر أن ظاهرة تزوير الأعمال الفنية ظاهرة قديمة متجددة. ذات مرة تم توجيه سؤال حول هذا الموضوع للمنظر الألماني ولتر بنيامين (1892-1940) والسؤال هو: ما هو الفرق بين عمل أصلي ونسخة جيدة؟ فقال إن النسخة ينقصها الزمن والمكان الراهنين للعمل، وكذلك (التبدلات التي تعرضت لها بينتها المادية، والتغييرات الطارئة عليها المتعلقة بمالكها).
كل ذلك، الفرصة وهواء الزمن، وإمكانية اصطياد روح العالم المعاش وأحيانا المقبل وجعله شكلا هو ما يفرق الفنان عن الناسخ. فأحيانا يدور نقاش حول من هو الفنان، الرسام أم الناسخ، الذي يملك من الامكانيات الفنية الكبيرة التي تمكنه من رسم لوحة بالألوان والتكوينات نفسها الخارجة من أيد متباينة وقلوب مختلفة؟ ولذلك يمكن القول إن الناسخ الدقيق بارع في عمله، لكن الفن أمر آخر يصعب تعريفه وبقية الأمور تتعلق بالأموال.
دبي- باسل أبوحمدة
