في السنوات القليلة الماضية تحولت الإمارات إلى نقطة جذب لآلاف الشباب الذين جاؤوا إليها باحثين عن رزقهم، ولذلك يضطر الكثير منهم إلى الاغتراب عن وطنه وأهله، ليعيشوا معا في سكن مشترك، يتولون فيه الاهتمام بكل شؤون حياتهم اليومية من أكل وشرب وتنظيف وغيره، بعد أن كانت كل هذه الأشياء لا تقع ضمن دائرة اهتماماتهم أصلا.
وفي الوقت الذي تكون فيه العائلات مجتمعة على مائدة واحدة مليئة بمختلف أصناف الطعام، وتكثر لديها دعوات الإفطار، يكون هؤلاء الشباب في حيرة من أمرهم حيال المكان الذي سيتناولون فيه افطارهم ونوع الطعام الذي سيتناولونه، ولذلك التقينا عددا من الشباب العزاب للتعرف منهم على كيفية قضائهم لشهر الصوم.
التنقل بين المطاعم... يقول أحمد البغدادي: تركت بلدي العراق وقدمت للعمل في الإمارات منذ نحو خمس سنوات، وبحكم أنني من العزاب فطقوس الإفطار لدي لها شكل مختلف عن الأسر بكل تأكيد، فليس لدي ولاء لمطعم أو مطبخ معين، واعتدت على التنقل فيما بينها طيلة أيام رمضان، ولذلك تجدني يوما أتناول إفطاري في مطعم عراقي واليوم التالي في مطعم إيطالي أو هندي أو لبناني وغيرها، وكما هو الحال في إفطاري الشخصي ينطبق ذلك أيضاً على أصدقائي أو من أقوم بدعوتهم إلى الإفطار من أصدقائي المصريين والسوريين فنحن جميعا نعيش بذات الطريقة، ولذلك فلا يوجد بيننا تكليف أو رسميات.
أما حسام عبد الحميد فيقول: طبيعة عملي تتطلب مني الانتقال بين الإمارات وسلطنة عمان، وبحكم أن الحياة أقل تكلفة في ولاية البريمي المجاورة للعين، أقامت أسرتي هناك وأزورها من وقت لآخر، ومعظم أيام رمضان اقضيها بصحبة الأصدقاء وتجمعنا مائدة إفطار واحدة، وعادة تكون في بيت احدهم الذي يسكن فيه بصحبة آخرين أو في أحد المطاعم، وأحيانا تجتمع الآراء على أن يكون إفطارنا «دليفري» ومن ثم ننتقل إلى أحد الشواطئ بالشارقة لنتناول إفطارنا هناك.
وأضاف: أعتقد أن هذه المشاركات لها تأثير كبير على تدعيم الترابط بيننا كأصدقاء، حيث يبادر الجميع إلى تحديد أيام الأسبوع ليقوم فيها بدعوة الجميع للإفطار، وأحيانا نقوم بتنظيم إفطار جماعي بنظام المشاركة في القيمة المادية، وبلا شك أن كل هذه الأحداث تترك ذكريات طيبة بيننا ونظل نتذكرها طيلة الوقت.
العوض في الأصدقاء
وبدوره يقول عبد الرحيم شبار: «الأيام الأولى كانت تمر بشيء من الصعوبة علينا جميعاً كوننا بعيدين عن الأهل والوطن، إلا أن الأصدقاء الذين تعرفت إليهم من أكثر من بلد عربي ومسلم، يلعبون دورا كبيرا في تغييب الإحساس بالوحدة، ومن قبل رمضان بأيام تجدنا نحدد جدولاً لنا يشمل أماكن الإفطار وتحديد مهام كل واحد منا، والتي تبدأ غالباً بشراء المواد والسلع الغذائية انتهاءً بمهام الطهي وغير ذلك».
ويتابع: وبحكم أن الأسرة غالبا ما تكون الغائب الحاضر في هذه الأيام المباركة، فالعوض لا يكون إلا في الأصدقاء، كما أن تبادل دعوات الإفطار فيما بيننا له دور كبير في التعرف على أكثر من مطبخ وعادة تكون موائد الإفطار لدينا منوعة الوجبات نظراً لاختلاف بلدان المجموعة.
محمد بكير قال: «بالنسبة لي لا تختلف أيام رمضان عن الأيام العادية التي أتناول فيها الطعام مع أصدقائي، ولكن يبقى لرمضان خصوصية بأنه يجمعنا معا في وقت واحد ويعطينا الفرصة لتبادل الزيارات مع أصدقاء آخرين، وعموما فقد تعودنا في كل رمضان على وضع جدول يوضح مهام كل واحد منا، إلى جانب أننا اعتدنا على الذهاب إلى السوق والتزود لرمضان معا، وبالطبع فإن ذلك عمق العلاقة فيما بيننا وأصبحنا نشعر بأننا إخوة رغم أن كل واحد منا قادم من بلد مختلف».
ويشير محمد إلى أنه وأصدقاءه يقومون أحياناً بتنظيم إفطار جماعي لهم ولأصدقائهم، ولكنه يؤكد في الوقت ذاته أن مائدة إفطارهم لا تشبه بالتأكيد مائدة الإفطار التي يجتمع حولها أفراد العائلة، ويتمنى أن يتمكن في العام القادم أن يقضي رمضان في حضن أسرته.
دفء أسري
يقول باسم مدحت «محاسب»: يهل علينا رمضان، فنتنسم نسائم الدفء الأسري، وتحيط بنا أجواء المودة والألفة والرحمة، ففي هذا الشهر، تحدث حالة من الترابط القوي بين الأصدقاء، ويتم وضع برامج خاصة، بحيث يتم تناول الإفطار يومياً في بيت احد الأصدقاء المتزوجين، ويزدحم جدول المواعيد إلى درجة أنه تصعب تلبية كافة دعوات الإفطار والسحور التي يصر عليها المعارف والأصدقاء.
ويرى عاصم القاضي «موظف في احد المصارف الوطنية» أن ما يميز الشهر الكريم بالنسبة للعزاب في الإمارات، هو أنهم يشعرون خلاله بالتقارب، وهذا أمر طبيعي، لأن تقاربهم يلبي حاجتهم للشعور بالأمان الأسري، ودفء العائلة الواحدة. ويقول: في رمضان الجاري تقرر أن تسافر زوجتي وابنتي إلى وطني لقضاء الشهر الكريم مع الأهل، وبمجرد أن عرف زملاء العمل بهذا الأمر، حتى انهالت عليّ دعوات الإفطار...
هذا يؤكد أن إفطار اليوم الأول لابد أن يكون في بيته، وذاك يصر على ألا أقبل أية دعوة إفطار خلال الأيام الخمسة الأٌول من رمضان. ولا تقتصر دعوات الإفطار التي تلقيتها من زملاء العمل، فحتى عملاء المصرف الذين أتعامل معهم بشكل دائم، وخاصة المواطنين يلحون عليّ كي يكون إفطاري اليومي في بيوتهم، وهو الأمر الذي يؤكد أن المسلمين ينتهزون فرصة رمضان، للإكثار من أعمال الخير والعطاء الخالص لوجه الله تعالى.
ويضيف: بعد أداء صلاة التراويح يحرص العزاب على التجمع في مكان ما، لتقضية أمسيات رمضان الجميلة، وفي السنوات الماضية، كانت الوجهة دائماً إلى الحدائق العامة والمنتزهات، غير أنه ونظراً لأن رمضان يتزامن خلال العام الجاري، مع أشهر الصيف الحارة، فإن الوجهة ستكون على الأرجح إلى المقاهي أو إلى بيت أحد الأصدقاء.
وعادةً ما تستمر جلسات السمر الرمضاني حتى آذان الفجر ويتخللها السحور، وهكذا لا يشعر العزاب في رمضان بالوحدة والاغتراب. ويبدأ محمد معاذ «موظف في شركة خاصة» كلامه قائلاً: في رمضان تنتهي كلمات الوحدة والغربة والعزوبية من قاموس حياتنا، ونصبح أسرةً واحدة مترابطة متراحمة، فأجواء الود والرحمة والمودة التي يتسم بها الشهر المبارك، تفيض علينا من كل اتجاه.
ويرى عدنان المحمودي «تاجر» : إن طقوس العزاب في رمضان، تساهم في التقريب بينهم وتشعرهم جميعا بالألفة وتعزز روح التراحم والود فيما بينهم.
ويقول: في رمضان أفتح متجري في نحو الحادية عشرة صباحاً، ويكون موعد الإغلاق هو نحو الواحدة صباحاً، وكثيراً ما أرفض دعوات إفطار نظراً لظروف العمل، غير أنه يحدث كثيراً أن يفاجئني أصدقائي، بإحضار الإفطار إلى متجري لكي نتناوله معاً.
وهذا الأمر يؤثر في نفسي تأثيراً إيجابياً، ويساهم في تعزيز شعوري بالحب للمكان الذي احتواني بكل حب وعطف، وعلى الرغم من كوني إيراني الجنسية، إلا أن معظم الدعوات التي أتلقاها، هي من أخوة عرب أو مواطنين، يحرصون على ألا أكون وحيداً في هذه الأيام المباركة.
سبع سنين ولم أشعر بالغربة في رمضان
يعتقد تامر حسن «مراقب حسابات في شركة مقاولات» بأن شهر رمضان المبارك، يتميز بأن قلوب الناس فيه تكون أصفى، وإحساسهم ببعضهم البعض يكون أكثر رقةً، وهذه الميزة لا يمكن تفسيرها إلا بأن الله يغمر الأرض برحمته اللامحدودة، أو بأن قلوب البشر تتلقى تأهيلاً خاصاً خلال هذه الشهر.
ويقول: أقيم في الإمارات من دون أسرتي منذ نحو سبع سنوات، وبطبيعة الحال يراودني الحنين لدفء الأسرة، وأشعر دائماً بالشوق لأجواء بيت العائلة، غير أن هذا الشعور المؤلم يتراجع في رمضان، نظراً لأن كل معارفي من العزاب، يتقاربون إلى بعضهم بعضاً، ويهتمون بقضاء أطول وقت ممكن معاً.
فبرنامج اليوم في رمضان، يبدأ بعد الدوام مباشرة، حيث يتم التجمع في منزل أحد الأصدقاء، ونقرر إما أن نتناول الإفطار في المنزل، وهذا يقتضي توزيع الأدوار بحيث يشترك الجميع ويتعاونون في إعداد وجبة الإفطار، أو أن نتوجه إلى أحد المطاعم.
ويضيف: من الطبيعي أن «شلتنا» تتضمن وافدين من مختلف البلدان العربية، وهو الأمر الذي يمنح مائدة إفطارنا تنوعاً كبيراً، حيث نتناول في أحد الأيام إفطاراً مصرياً، وفي يوم آخر تكون مائدتنا لبنانية أو سورية أو مغربية أو يمنية أو عراقية، ويتناوب الجميع على تحضير الوجبة الرئيسية، ولا يخلو الأمر عادة من تعليقات مازحة تتهكم على هذا «الطباخ» الذي نسي وضع الملح في الطعام، أو ذاك الذي يتصل بأهله في وطنه الأصلي ليسأل عن وصفة أكلة ما، وقد ينتهي الأمر في بعض الأحيان، بعد تعب تحضير الطعام أن تفشل الطبخة، فنتوجه إلى أحد المطاعم، وما إلى ذلك من مواقف مضحكة.
ضرورة
حياة العزوبية تخرج محترفين في الطبخ
في الوقت الذي يعتمد فيه الشباب أثناء حياة الغربة على أكل المطاعم يضطر معظمهم إلى دخول المطبخ لإعداد طعامه بنفسه، أو أن يتشارك مع أحد أصدقاءه في السكن، ولا يمكننا الإنكار بأن قسما كبيرا منهم أصبح محترفا في الطهي وإعداد أصناف متعددة من الوجبات، في حين أن هناك قسما ما زال يعاني من عدم قدرته على إعداد الطعام.
ونظراً لأن الإمارات، تعد من أكثر الدول جذباً للعمالة العربية والمسلمة، ولأن مستويات العيش على أرضها، تعد من أرقى المستويات، ولأن أصحاب الطموح يقصدونها من كل صوب وحدب، تحدوهم الرغبة في تحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية.
ولأن الوافد إلى الدولة، من الأخوة العرب، لا يشعر في أحضانها بالاغتراب، ويحس بأنها وطنه الثاني... نظراً لهذه الأسباب وغيرها، فإن نسبة كبيرة من العزاب العرب، يعيشون على أرض الإمارات، ولهؤلاء خلال الشهر الكريم، طقوس خاصة وعادات مميزة، تضفي على «عزوبيتهم» المناخ الأسري الذي يفتقدونه طيلة أيام السنة، فكيف يمضي العزاب أيام الشهر الكريم؟ وما أوجه الاختلاف بين روتين حياتهم اليومي طيلة أيام السنة، وبين طقوسهم في رمضان؟
غسان خروب ومحمد مصطفى موسى



