جميلة هي الذاكرة عندما تكتب، وهي بذلك لا تتوقف عند حدود الحروف إنما تتسع لتأخذنا معها في رحلة عميقة لزمن لم نعشه نحن، وإنما نعيش على وقع ذكرياته التي ما زالت ترن في عقول كبار السن منا التي من خلالها نطل على أيام جميلة بالنسبة لهم، ونحاول أن نقارنها مع أيامنا نحن التي تعصف بها السرعة وتحديثات التكنولوجيا.

في زمانهم كان رمضان مختلفاً لم تكن التهنئة به تتم عن طريق «المسجات» وإنما بالزيارات و«قبلة الخشم»، في زمانهم كان رمضان مختلفا بكل أطيافه يسوده الهدوء الذي كان الجميع يستغله في قراءة القرآن وذكر الله، وإنجاز بعض الأعمال المنزلية، وغيرها.

وفي هذا اليوم نطل على رمضان زمان من خلال الإبحار في ذاكرة الوالدة عزيزة محمد علي التي التقيناها في مركز التنمية الاجتماعية بالفجيرة، التي مازالت رغم غبار السنين تحتفظ بذكريات جميلة عاشتها في تلك الأيام مع أهلها الذين اختاروا الرحيل إلى الكويت لتتغير مع ذلك حياتهم بالكامل، ولتعود هي مرة أخرى إلى الإمارات بعد إعلان الاتحاد.

تقول الوالدة عزيزة: «تعلمت الصوم وأنا في سن العاشرة، في هذا السن كان جميع الأطفال يبدأون بالصيام ليتعودوا عليه مع مرور الوقت، وأذكر أنني تعلمته عندما كنت في الكويت التي رحلت إليها وأنا في عمر السابعة مع أمي وأختي وزوج أختي، هناك تغيرت أحوالنا وعشنا مرحلة تطور الكويت التي كانت متقدمه كثيرا على بقية دول الخليج، حيث كان فيها كهرباء وتلفزيونات وراديوهات وغير ذلك، ورغم طول السنوات التي عشتها هناك إلا أنها لم تستطع أن تأخذني من بلدي «الفجيرة» فقد عدت إليها وأنا في سن الشباب وتزوجت فيها ومن ثم عدت إلى الكويت وبقيت فيها حتى إعلان الاتحاد في الإمارات التي عدت إليها مجددا مع عائلتي».

رمضان الكويت

وتواصل: «أيام رمضان في الكويت كانت جميلة جداً، وما زلت أحن إليها، وكنا نعرف بثبوت الهلال عن طريق التلفزيون والراديو، وحتى أذان الإفطار كنا نسمعه عن طريق الراديو، لم يكن هناك مسحراتي كما في الفجيرة أو منطقة الغرفة، والعادات هناك تختلف عن الموجودة في الإمارات، ففي الوقت الذي كان أهالي الفريج يتناولون الإفطار مع بعضهم البعض، كانت كل عائلة في الكويت تفطر وحدها في بيتها.

حيث يجتمع أفرادها معاً على مائدة واحدة، وبعد الانتهاء من الإفطار تبدأ كل عائلة بزيارة أقربائها الموزعين على مناطق الكويت، وقبل حلول العيد بأيام نبدأ بالإعداد له بشراء الملابس والحلويات، وفي يوم العيد تتحول الساحات المفتوحة إلى أشبه بالملاهي، حيث تنصب فيها الألعاب والمراجيح ويؤمها الكبار والصغار بغية الترفيه عن أنفسهم».

ذكريات قرقيعان

لقرقيعان وقع خاص في نفس عزيزة التي طالما احتفلت به وهي صغيرة مع أطفال الحي في الكويت.

حيث كانت تدور معهم على البيوت لطلب الحلويات، وفي ذلك قالت: «ما زلت أذكر حتى الآن كيف كنا ونحن أطفال نحتفل بقرقيعان وهو يشبه «حق الليلة» في الإمارات ولكنه يصادف نصف رمضان وليس نصف شعبان، وفيه كنا نحمل الخريطة التي يعدها لنا أهلنا ونجتمع مع أطفال الحي بنات وصبيان ونلف على البيوت ونحن نردد: «قرقيعان وقرقيعان .. بين قصيِر ورمضان (أي بين شعبان ورمضان)... عادت عليكم صيام كل سنه وكل عام... عطونا الله يعطيكم بيت مكة، الله يوديكم ... يا مكة يا المعمورة يا أم السناسل والذهب يا نورة»، وكنا نحصل على خير كثير من الأهالي الذين يوزعون علينا ما تجود به أنفسهم من الحلويات».

العودة إلى الوطن

كانت عزيزة شابة عندما عادت من رحلة غربتها إلى الوطن الذي بدا شاباً بإعلان الاتحاد الذي جمع بين طياته سبع نجمات، ليدق فيها أساسات التطور والعمران، تقول عزيزة: «عندما عدت إلى الإمارات كان الحال قد تغير فيها، وقد بدأ التطور يدب فيها بعد إعلان الاتحاد، ورغم ذلك لم تتغير عاداتنا وتقاليدنا في شهر رمضان، حينها كنا نحسب أيامنا بالأشهر العربية وليست الإفرنجية.

كما هو الحال اليوم، وأذكر أن بيتي كان يطل على البحر ويقع بالقرب منه مسجد، حينها كان يؤذن في الناس شخص يدعى «علي حاجي»، وبمجرد ثبوت القمر كانت المدافع المنصوبة في الحصن بالفجيرة تضرب لإعلام الناس ببدء شهر رمضان المبارك، وكان لرمضان فرحة خاصة تدخل القلوب خاصة وأن الجميع فيه يسألون عن بعضهم البعض وكان يعتبر مناسبة طيبة للزيارة لأن الأهالي كانوا قريبين من بعضهم البعض».

وتتابع: «كما هو الحال اليوم كنا نقضي أيام رمضان في طاعة الله وقراءة القرآن ونتسابق على ختمه أكثر من مرة، الرجال يلتزمون بصلاة التراويح في المسجد، ومن بعدها يجتمعون في إحدى المجالس التي عادة يعقدها كبار السن في الحي ويشربون فيها شاي الزعتر وشاي اللومي والقهوة، وهناك يتداولون العديد من القضايا، وكذلك النساء كن بعد صلاة التراويح يجتمعن في إحدى البيوت ويحضرن معهن القهوة والفوالة والحلويات».

ما زالت الوالدة عزيزة تستذكر أيام رمضان، التي تكثر في لياليها رائحة البخور والعود التي كانت تفوح في المجالس والبيوت، وحول ذلك قالت: «استخدام العود والبخور من صلب عاداتنا، ولكن في شهر رمضان لم نكن نستخدم البخور والعود نهاراً، أما في الليل فكانت النسوة تستخدمه في تدخين ملابس أزواجهن قبل ذهابهم إلى الصلاة والمجالس، وكذلك يقمن بتدخين البيوت والمجالس تمهيداً لاستقبال الضيوف».

الاستعداد لرمضان

في بداية رمضان كان الجميع يستعدون له، وكانوا يربون الدجاج ويوزعون اللحوم على الأهل والأقارب والجيران، أما الحطب فكانت النساء يجمعن كميات كبيرة منه لتكفي طيلة الشهر الكريم بحيث لا يضطررن إلى الذهاب لجمعه خلال الصيام، أما الماء فكن يخرجن كل يوم فجراً لإحضاره من طوي قريب من منطقة الغرفة.

ويقع تحديدا في منطقة «خزان» الماء الموجود حالياً، ومع قرب انتهاء رمضان كان الجميع يستعدون لاستقبال العيد بتحضير الحلويات والقهوة والتمر وكذلك تقوم النساء بخياطة الملابس الجديدة لهن ولأزواجهن وأولادهن، ومع حلول العيد تضرب المدافع إيذانا بانتهاء شهر الصوم، حينها كنا نذهب جميعا إلى الساحات العامة التي تنصب فيها «المراجيح» لكي نلعب فيها ونفرح».

غسان خروب