للولايات المتحدة قدرة مذهلة على تحويل ناشطيها الأكثر حدة، وتدجينهم إلى أشخاص لا حول لهم ولا قوة. وتبدأ تلك العملية بمجرد وفاة هؤلاء. مارك توين، على سبيل المثال، يذكر الآن على أنه مهرج لا يتوقف عن الترحال عبر المسيسبي عند الغروب، بينما تقبع كتاباته المثيرة للجدل ضد الميلاد العنيف للامبراطورية الاميركية من دون أن يقرأها أحد أو يتذكرها.
ومارتن لوثر كينغ، اشتهر بأشعاره النثرية عن اطفال يشبكون أيديهم على تلة في ألاباما، لكن القليل هم الذين يتذكرون أنه قال إن الحكومة الأميركية هي (أكبر مثير للعنف في العالم الآن).
الإقصاء
غير أن أكبر عملية إقصاء تاريخي من هذا النوع ربما هي التي حدثت لجاك لندن. كٍّان جاك لندن هو أكثر الكتاب الاشتراكيين ذيوعا في التاريخ الأميركي، وتحريضا على إطاحة الحكومة بالعنف واغتيال القادة السياسيين. وما يذكر به لندن الآن، قصة لطيفة عن كلب. وهذا يشبه، مثلا، أن نتذكر النمور السوداء بعد مئة عام من الآن، بإضافة صبغ أحمر إلى مقدمة رؤوسها.
وإذا ظل تقزيم لندن في ذاكرة التاريخ، إلى الأبد، بقصر ذكراه على قصة الكلب فقط، فستخسر أميركا واحدا من أكثر الشخصيات الآسرة الغريبة في تاريخها، والذي كان في وقت ما، ملهما وثوريا.
وخلال حياته التي لم تدم أكثر من 40 عاما، كان لندن طفلا لقيطا لأب روحاني انتحاري، من سكان المناطق الفقيرة، ثم عاملا أجيرا، فقرصانا، فمتسولا، قبل أن يصبح ثائرا اشتراكيا، ثم باحثا عن الذهب، ومراسلا حربيا، ومليونيرا، ومكتئبا يحاول الانتحار، لينتهي به الأمر أشهر كاتب في الولايات المتحدة.
وفي كتاب (الذئب: حياة جاك لندن)، آخر ما كتب عن سيرته، يسميه جيمس هيلي، (أكثر شخصية أسئ فهمها في مسيرة الأدب الأميركي)، ولكن ربما كان ذلك لأنه من الصعب فعلا فهمه.
كتب لندن :(لقد عشت في قاع المجتمع، في الطبقات السفلى من البؤس)، (الذي ليس من المحبب ولا المناسب التحدث عنه.) وبمجرد انتهائه من المدرسة الابتدائية، أرسل للعمل في مصنع للتعليب، ليضع المخللات في برطمانات طوال اليوم وكل يوم، مقابل لا شيء تقريبا.
ولم يكن يروعه شيء، ما بقي من حياته، قدر رؤيته العالم وقد تحكمت فيه الآلات بالإنسان. صراخ الآلات يمكن سماعه في رواياته، تطالب الإنسان بخدمة نزواتها.
لم يتمكن لندن من شراء فرشاة أسنان إلا في ال19 من عمره، عندما كانت أسنانه قد تداعت بالفعل. وقد ترعرع في فترة كساد أميركا الكبير الأول، متنقلا من وظيفة سيئة لا تحتمل إلى غيرها.
لقد عمل في تحميل الفحم حتى تيبس جسمه بالكامل بسبب الألام. حاول الانتحار للمرة الأولى بإغراق نفسه، لكن صيادا أنقذه. وبدأ يلاحظ جحافل الرجال المشردين بلا أسنان، الذين يملأون الشوارع، يهدهم العمل المضني، ويتركون للموت في الأربعينات والخمسينات من العمر.
وقد رد على ذلك في البداية، ب(فردية نيتشه)، (إعلاء الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه لقيمة الفرد)، مصرا على النجاة من ذلك، من خلال شجاعته وقوته البدنية.
وفي ظل اليأس بسبب الكساد، بدأت تظهر أفكار جديدة في أميركا. قال لندن إن الأفكار كانت تأتيه رغما عن أنفه. يقول:(لا استعراض واضحا لمنطق وحتمية الاشتراكية أثر في بعمق واقناع، مثلما تأثرت في اليوم الذي رأيت فيه، لأول مرة، جدران الانحطاط الاجتماعي ترتفع أمام عيني، وشعرت بأنني أغرق، أغرق، إلى فوضى القاع.
الصعلوك
وعندما نظم الصعاليك مسيرة في أنحاء أميركا للمطالبة بالحصول على وظائف في العام 1894، شارك لندن معهم، ليتم اعتقاله في نياجرا فولز، بتهمة (التشرد). وعندما طالب بتوكيل محام، ضحك رجال الشرطة منه.
وعندما دفع ببراءته، أمره القاضي بأن (يخرس). وتم تقييده وحبسه لمدة شهر. كان لندن مقتنعا بأن النظام الاقتصادي مصاغ ضده، والآن اقتنع بأن القانون، أيضا، ضده.
عندما أطلق سراحه في 1894، بدأ في إلقاء الخطب الحماسية على نواصي الشوارع، وسرعان ما قدمته صحف سان فرانسيسكو على صفحاتها الأولى باسم (الفتى الاشتراكي)، الذي يحض العمال على التمرد، وانقاذ البلاد من الزعماء اللصوص.
صبغت أعماله الأولى مثل، (ذئب البحر) ، في العام 1904، وتحكى قصة ناج من غرق سفينة على يد ربان سفينة أخرى، والذي يستعبده ويعذبه، بطرق جنونية ومهينة، الأدب الأميركي بأسلوب قاس، ومقتضب، يبدو أنه طغى بشدة على أسلوب الروائية الأميركية إديث واهرتون، التي كانت تتميز هي الأخرى بأسلوبها الدرامي الساخر. كان أسلوب لندن مختلفا وعنيفا.
بقلم ـ جوهان هاري - ترجمة- عصام بيومي
