لم تتمكن السنوات الطويلة من تغييب ذلك الطفل الموجود بداخله، فذاكرته مليئة بحكايات طفوليه تنأى بنفسها عن النسيان، لتكبر كل يوم وتزهر كما الورود في فصل الربيع، لم تنجح الأيام في إبعاده عن ذكريات الزمن الجميل الذي يحمله في ذاكراته، فما زال شاعر منطقة الجير برأس الخيمة عبد الله الهديه يسجل في ذاكرته صورا عدة عن رمضان طفولته، الذي بدأ بصيامه منذ الصغر، ورغم ردح العمر فرمضان أكتوبر 1973 ما زال عالقاً بذاكرته يلوح أمامه كلما تذكر شهر رمضان المبارك.

والحديث مع الشاعر الهدية حول ذكريات رمضان له طعم خاص، فمعه تتنقل بين سنوات الطفولة والشباب، ومعه ترسم صوراً متعددة لتلك الشلة التي اعتادت على الاجتماع كل يوم لتلعب بين بيوت «الفريج»، ولتثبت لنفسها قوة الإرادة من خلال الوقوف على الرمال الملتهبة لأطول فترة ممكنه، معه ترسم صورا ممتعة لرمضان ولأولئك «الشواب» الذين اعتادوا على الإفطار سوياً في «المفاطر» العامة.

صيام متقطع

يقول عبد الله الهدية: بدايتنا مع الصوم كانت من الصف الثالث الابتدائية، أي في عمر السابعة أو الثامنةـ حينها كان الصوم بالنسبة لنا مجرد تقليد لا أكثر، ولكي نشعر بأننا أصبحنا رجالا، ولم يكن الأهالي يجبروننا عليه، ولذلك كنا نتناول على استحياء بعض الطعام المتبقي من الليل، ورغم صومنا لساعات متقطعة، إلا إننا كنا نشعر بأجواء مختلفة في شهر رمضان.

ولكنن بعد وصولنا إلى سن الحادية عشرة كنا في بعض الأحيان نفطر في سرية تامة على التونة والخبز.

ورغم تلك الهالة من التعتيم والسرية إلا أننا نشعر بأن أباءنا وأمهاتنا كانوا يعرفون أو يشعرون بإفطارنا، ولكنهم كانوا يغضون الطرف عنا لإدراكهم بأنه لا طاقة لنا بالصيام، خاصة وأن رمضان كان يأتينا في فترة القيظ الشديد، وأذكر أننا في تلك الأيام كنا نذهب إلى مفاطر أو مجالس الرجال لأنه يصبح مناط بنا صب القهوة وتجهيز المائدة وخدمة كبار السن، لأن هذا السن يعني أننا وصلنا إلى مرحلة التكليف، ويمكنني القول بأن صومنا الحقيقي بدأ معنا في عمر الخامسة عشرة.

ويضيف الهدية بقوله: لعل أكثر ما أحن إليه في تلك الفترة هي الحميمية التي تسود في لحظة الإفطار، والتي يجتمع فيها الكبار والصغار للاستغفار وانتظار موعد الأذان، وما زلت أحن إلى تلك «الخراريف» والقصص القديمة وأخبار الزمن التي كانت تتلوها علينا ألسنة الأباء والأجداد بعد الإفطار، ورغم أنه لم يكن يسمح لنا بالحديث في حضور كبار السن إلا إننا كنا نحرص على الجلوس والاستماع والاستمتاع بحكاياتهم.

ما زال عبد الله الهدية يذكر بعد ردح العمر كيف كانت أزقة الفريج تنتفض بحركة الصغار في وقت ما قبل الإفطار، وكل يحمل بين كفيه ما جادت به نفس صاحبة البيت ليوصله إلى بيت أحد الجيران، وفي هذه اللحظة صمت عبد الله لهنيهة وغابت عيناه في الماضي ليعود ويقول: أعتقد أننا فقدنا تلك الثقافة رغم وجود الإفطارات الجماعية والمجالس وكثرتها، وفي تقديري أن ثقافة ذلك المكان لم تعد موجودة بيننا.

ويواصل عبد الله: لعل أكثر ما يميز رمضان ذلك الزمن هو البساطة في كل شيء حتى في العبادات، فالكل كان ملتزما بعمله ولم يكن رمضان عامل كسل وفي لحظة الإفطار كان الجميع يجتمعون في مكان واحد دون أن تتوقف الحياة.

سيطرة الإذاعة

ويستطرد الهدية ذكرياته الرمضانية بقوله: في تلك الأيام لم يكن التلفزيون قد تمكن من فرض سيطرته بعد، وإنما كان الصيت ذائعاً للإذاعة، حينها كانت في الإمارات إذاعة يتيمة هي إذاعة »الإمارات المتصالحة» التي تبث من الشارقة، والى جانبها كان بعض كبار السن يفضلون أحيانا الاستماع على أجهزتهم الصغيرة لإذاعة صوت العرب والبي بي سي البريطانية.

وقديما كان لرمضان قدسية خاصة في البرامج الإذاعية، فلم تكن الأغنيات تذاع بتاتا، وكنا قبل الإفطار نستمع إلى مسلسل «الزير سالم» الإذاعي، ولا أنكر إن هذه السلسلة قد فتحت أمامي أفقا اخر في حب القراءة وتقمص الشخصيات البطولية، وأذكر أن أول كتاب بخلاف كتب المدرسة طالته يدي كان عن عنترة بن شداد، ولا أعرف كيف حصل عليه أخي الأكبر سعيد الذي كان شغوفا هو الاخر بعنترة بن شداد، والى جانبه أذكر أنه كانت تذاع بعض المواعظ وسير الصحابة وبعض المواقف الاجتماعية اليومية في رمضان.

تفاصيل كثيرة ما زالت عالقة في ذاكرة عبد الله الهدية، ولعل أبرزها حرب أكتوبر 1973 التي سطر فيها العرب أسمى آيات النصر، أحداث تلك الحرب وأخبارها ما زالت تلوح أمام ناظري عبد الله كلما أطل رمضان برأسه علينا وكلما فُتحت خزانة الذكريات، وحول ذلك قال:

حينها كنت في الصف الخامس الابتدائي، وقد عايشت كل تفاصيل الحرب عبر الإذاعة، وأذكر أننا مررنا في تلك الفترة بحالة شعور متناقضة، فمن جهة كانت الفرحة تعم العرب جميعاً ابتهاجاً بالنصر، ومن جهة أخرى كان الحزن قد عم منطقتنا حزنا على وفاة زوج خالتي.

ويضيف: لم تتمكن حالة الحزن من انتزاع فرحتي بالنصر ولم تثنني عن متابعة أخبار الحرب وتقليد أصوات المذيعين في تلك الفترة، وهو ما ساعدني على اكتساب العديد من المفردات والمصطلحات اللغوية الجديدة على عالمي، فخلق عندي رافد لغوي جديد، ولشدة تعلقي بأخبار تلك الحرب التي صادف وقوعها في رمضان، ما زلت أذكر تفاصيل ذلك الشهر الكريم، وحتى اللحظة إذا ذكرت حرب أكتوبر أمامي في أي محفل أول ما يتبادر إلى ذهني تلك الصورة التي كنت أقلد فيها مذيعي الأخبار وحالة النشوة التي كانت تعتريني، وتتبادر إلى ذهني صور الآباء وهم يتابعون الأخبار على الإذاعة.

دبي - غسان خروب