طبيعتها سرقت الأنظار وأسرت ملامح الإعجاب، وفي بساطتها تغلبت على أبهى صنوف التعقيد والحداثة، حتى باتت محط أنظار العائلات والشباب للظفر بساعات وربما بأيام من المتعة في ربوع أوديتها، ووسط خضرة أشجارها المتشبثة بجبالها وهضابها..
إنها مدينة حتا التي تحفظ لنفسها دائماً أجواء سياحية مختلفة، مثلما يمتاز أهلها على الدوام بتقاليد وممارسات رمضانية تبقيهم في خانة الأوائل من المحافظين والمأسورين لعراقة العادات والتقاليد الإماراتية الأولية والبدوية، كيف لا وجميع سكانها الذين يشكلون بضعة آلاف من الإماراتيين هم من أبناء قبيلة البدواوي.في منطقة حتا، مدينة الحدود جنوب الشرقية القريبة من سلطنة عمان، يحتفظ سكانها المواطنون بعادات رمضانية مميزة تبدو حكراً على أبناء تلك المنطقة وحدهم، حيث يعج نهار رمضان بطقوس دينية عديدة، مثلما يموج ليله بجلسات وتجمعات وعادات أصيلة وعريقة، تحاكي عراقة حصون وأبراج المدينة من كل اتجاه، فكما يقول أبناء تلك المدينة، فلا أحد خلال رمضان يفطر مع عائلته وحده إطلاقاً.
ولا يقبل حتى يومنا الحاضر من أحد أن يتخلى عن المشاركة الجماعية في الإفطار الرمضاني، ذلك التقليد لا يزال راسخاً حتى اليوم، وإن فاق عدد السكان المواطنين هناك خمسة آلاف نسمة.
ترابط وانسجام
الشاعر أحمد بن خلف البدواوي، وصديقه زايد سالم البدواوي، يجسدحالة من الترابط والانسجام بين أبناء منطقة حتا الممتدة، وبحكم صلات الجيرة والقرابة والأصالة، فلا يتواني أحدهم عن استقبال ضيف الآخر وتقديم الواجب له، وتلك الحالة تلخص حالة التفاهم والتقارب والانسجام الماثلة بين جميع سكان حتا وما جاورها من البلدات، مثل مزيرع ومصفوت ووادي القور والحويلات.
يقول أحمد بن خلف إن شهر رمضان المبارك هو شهر له قدسية عند المسلمين كافة، وفي دولة الإمارات عامة تتشابه العادات والطقوس بين مختلف المناطق والإمارات، إلا من بعض التفاصيل المتعلقة بتقاليد ترعرت في أحضان المحافظة والالتزام جيلاً بعد جيل.
ثقافة رمضانية
على امتداد مدينة حتا الحدودية والجبلية، لن تجد صائما واحداً يفطر مع زوجته وأبنائه دون مشاركة عائلته الممتدة ووالدته ووالده، أو أقربائه وأبناء الحي الذي يقيم فيه، بحسب ما يضيف أحمد، ويؤكد أن ذلك النهج أصبح جزءاً من ثقافة رمضانية يحافظ عليها سكان مدينة حتا رغم تشابك الظروف الاجتماعية.
واختلاف طبيعة الحياة المعاشة وتعقد السلوكيات والماديات الواردة إلى حياة أبناء تلك المنطقة والمناطق الأخرى الإماراتية التي ظلت حتى عقود قريبة، تنأى بنفسها عن الاستسلام للحداثة والسير في ركب المتخلين عن الماضي نسبياً.
وكما يوضح أحمد البدواوي فإن سكان منطقة حتا وكما هو متوارث قديماً، يستعدون للشهر الفضيل بكثير من الملامح، لعل في مقدمتها التهيؤ للإفطار الجماعي مع الأهل والجيران وأبناء الحي، فسابقاً كانت الخيمة الرمضانية التي تجمع أبناء مدينة حتا تقام بالقرب من المسجد.
حيث جرت العادة أن أبناء الحي صغاراً وكباراً يتعاونون في نصب الخيمة التي تجمع السكان في مكان واحد، وذلك تقليد ظل متواصلاً حتى أواخر الثمانينات، حيث تحرص العائلات قبل موعد الأذان على تقديم ما لديها من مأكولات يتشارك فيها الجميع، فيما يظل حتى يومنا هذا إفطار أهل مدينة حتا منحصراً في لبن البثيث، وهو الوجبة الرئيسية الباقية في كل بيت، إلى جانب التمر والماء، قبل أن يؤدوا صلاة المغرب ثم العودة لتناول طعام العشاء التقليدي.
بيت الوالدة
ويشدد الشاعر أحمد بن خلف على أنه لا يوجد وحتى يومنا هذا بيت في مدينة حتا يفطر أهله دون مشاركة أحد، أما النساء فدرجت العادة أنهن يتجمعن في بيت الوالدة مثلاً، وسابقاً حينما كان أهل حتا يحافظون على السكن في بيوت متقاربة وقبل أن تتوسع الأحياء فيها، ظلت النساء تتشارك في إفطارات موحدة في أحد البيوت، في حين أن الرجال آباء وشباب وأطفال يتواجدون في خيمة الإفطار القريبة من مسجد المدينة.
واليوم حيث تشهد قرية حتا نمواً ملحوظاً ومتسارعاً في أعداد السكان والبيوت، ورغم اختلال معايير الحياة عما كانت، إلا أن السكان لا يزالون محافظين على طقوس الإفطار الجماعي إما للأقارب أو لأبناء الحي.
ويوضح البدواوي أن سكان حتا اعتادوا الإفطار على البثيث والتمر والماء منذ عقود مضت، قبل أن يلتحقوا بصلاة المغرب ويعودوا ثانية لتناول طعام العشاء التقليدي، وقد درجت العادة أن الشواب وبعد الانتهاء من أداء صلاة التراويح يجتمعون في أحد البيوت أو المجالس بشكل يومي، ويتبادلون أطراف الحديث فيما بينهم في أمور شتى.
مشيراً إلى أنه لا أحد صغيراً كان أم كبيراً يقبل لنفسه أن يبقى بعيداً عن أحاديث الشواب المفعمة بالفائدة والخبرة والتسلية، فهم وحدهم الذين لا يتحدثون في أمور مملة وروتينية مثل الموبايلات والبلاك بيري والسيارات أو حتى عن الأزمة الاقتصادية، وتبقى مجالس الشواب عامة أشبه بالمدارس المفعمة بالفائدة والتجربة، والتي تستمر عادة حتى ساعة ما قبل منتصف الليل، وفي بعض تلك المجالس تتوفر أحياناً أحاديث دينية ومواعظ ودروس توفرها هيئة الأوقاف في المساجد، ذلك بالإضافة إلى فعاليات رمضانية أخرى خاصة بالنساء يتم توفيرها من قبل جهات حكومية أو غير حكومية.
مشاركة الشواب
أما الشباب، وكما يؤكد زايد سالم البدواوي، فيحرصون كل يوم على مشاركة الشواب في مجالسهم أينما كانت، ومتى تنتهي جلسات الشواب يتوجه الشباب إلى فعاليات خاصة بهم، وهي الرياضية غالباً، وتجد العشرات منهم يمارسون هواياتهم في ألعاب كرة الطائرة أو القدم أو سواها من الرياضات التي تقام في النادي أو وسط الأحياء السكنية، فيما يتوجه بعض شباب منطقة حتا بين ليلة وأخرى إلى إمارة دبي لحضور فعاليات دينية توفرها المخيمات الرمضانية، إضافة إلى دروس ضيوف رئيس الدولة.
كل تلك الملامح تتخلل حياة السكان الإماراتيين في مدينة حتا خلال أيام وليالي الشهر الفضيل، أما عيد الفطر المبارك فيحتفظ لذاته بمكانة دينية واجتماعية كبيرة لدى الجميع، وهو اليوم الذي يجمع الصغار والكبار والنساء والرجال على هيئة قلب واحد..
إذ تنتعش طرقات مدينة حتا بأقدام المجموعات البشرية المنتقلة من بيت إلى آخر للتهنئة بهذه المناسبة، ولا يبقى صغير أو كبير خارج هذا الإطار، وبحسب ما يؤكد أبناء البدواوي فإن عيد الفطر يختص بميزة إضافة، وهي أن جميع السكان هناك يتخلون عن قيادة مركباتهم ويؤثرون قطع عشرات الكيلومترات سيراً على الأقدام من أجل تهنئة بعضهم البعض بهذه المناسبة، وبذلك يسدل الستار على طقوس رمضانية لا تخلو من متعة اجتماعية ينتشي بها الصغار مثلما الكبار.
انسجام حتا
مدينة حتا التابعة لإمارة دبي تعد منطقة رئيسية ومركزية بالنسبة لعدة بلدات مجاورة لها، والتي تتشارك معها بذات الملامح البدوية والأصيلة، وهي مصفوت ومزيرع والحويلات ووادي القور، فيما تحتفظ حتا بالعدد الأكبر من السكان .
حيث يفوق عدد الأسر والبيوت المواطنة فيها الألف، وجميعهم من أبناء قبيلة البدواوي. وتمتاز حتا بطبيعتها الخلابة وجبالها وحصونها وقصور الشيوخ القديمة فيها، ناهيك عن الوديان والسدود والأشجار الكثيرة هناك، وكل تلك الملامح تجعل من نهار حتا متعة تماماً كما هو ليلها، وخلال أيام وليالي الشهر الفضيل ينعم سكان حتا بفعاليات اجتماعية ودينية ورياضية ممتعة، والتي تجمع مئات الشباب تحت مسمى وحيد، وهو التقارب من أجل ترسيخ مزيد من ملامح الانسجام بين الجميع.
العيد لوحة معبرة في الترابط والتقارب
يرسم عيد الفطر لمجمل سكان منطقة حتا، لوحة معبرة من الترابط والتقارب الاجتماعي بين مئات البيوت والعائلات المنتشرة على سفوح جبال تلك المدينة التاريخية، ففي ليلة العيد وكما يوضح زايد سالم البدواوي، تبدأ النسوة في تنظيف البيت وتبخيره وتعطيره.
فيما ينهمك الصغار والكبار في ارتداء ثياب العيد الزاهية، قبل أن يلتحقوا بالمسجد لأداء الصلاة، ثم يخرجون مهنئين بعضهم البعض صغاراً وكباراً، قبل أن يتوجه كل شخص إلى والديه لمعايدتهما ثم إلى زوجته وأبنائه لإحضارهم إلى بيت الوالد أو الوالدة، ثم تتوالى المجوعات في المعايدة سيراً على الأقدام في الطرقات والبيوت.
ويضيف سالم البدواوي أن الأبناء وبعد الانتهاء من معايدة الجيران والأقارب وأبناء الحي يعودون إلى بيت الوالد ويتناولون معاً «ريوق العيد»، ثم يتوجهون لمعايدة الأقارب في المناطق البعيدة نسبياً والعودة لتناول طعام الغداء مع العائلة الممتدة، مشيراً إلى أن الدارج في عيد أهل منطقة حتا أنه لا أحد يقود سيارته في الفترة الصباحية، بل تجد أن الطرقات تمتلئ بالمعايدين الذين يتنقلون من بيت إلى آخر، وذلك المشهد بمجمله يوحي إلى إحساس بالمتعة والبهجة يعيشه الصغار والكبار والنساء سواسية.
حتا ـ عنان كتانة

