قد لا تنتبه وأنت تسير على شاطئ «ويليامسون» الاسترالي إلى أن وراء الكثبان الرملية تختبئ ماكينة عملاقة وزنها 500 طن في حفرة على عمق 27 متراً، استعداداً للانقضاض على الشاطيء لحفر الأرض التي تحته والنفاد إلى البحر، وعندما تتم الماكينة مهمتها تلك، ستكون قد حفرت نفقاً بعرض أربعة أمتار، وطول يبلغ كيلو متر ونصف، تمهيداً لانطلاق مشروع من المقرر أن يكون من أكبر مشروعات تحلية المياه في العالم.

وتعمل استراليا جاهدة على تطوير مشروعات لتحلية المياه، نظراً لأن أجزاء كبيرة منها تعاني من نقص المياه، نتيجة مواسم الجفاف المتوالية، وهي في هذا الصدد ليست وحيدة، حيث تسعى العديد من الدول للاستفادة من مياه البحار لاستخدامها للشرب، مع تزايد عدد السكان، وتغير أنماط الطقس، حتى أن دولاً مثل بريطانيا، التي تتمتع بمعدل هطول مطر عال نسبياً، بنت أول محطة تحلية للمياه.

محطات ومشاريع التحلية تلك لا يتوقع لها أن تنجح في إرواء عطشنا، لأنها هي الأخرى شديدة العطش للطاقة، حيث لا تملك كل الدول القدرة على تزويدها بالطاقة الكافية، التي تحتاجها من أجل القيام بعملية التناضح العكسي، وهي عملية يتم من خلالها دفع الماء المالح، عند درجة ضغط عالية، عبر أنابيب تسمح للماء بالمرور، لكنها تحجز الأملاح، وهذه العملية شديدة الاستهلاك للطاقة، لكن عدداً من الباحثين والشركات يعدون لبدائل أقل استهلاكاً للطاقة.

معاناة

في عام 2006، أصدرت الأمم المتحدة تقريراً تنبأت فيه أنه بحلول عام 2025، فإن من المتوقع أن يعاني شخصان من كل ثلاثة أشخاص في العالم من نقص المياه، حتى الولايات المتحدة ليست بمنأى عن هذا، فهي تستنزف المياه الجوفية بمعدل يزيد بنسبة 25% عما يمكنها تعويضه، لهذا فإن المشروعات الحديثة الريادية في هذا المجال، التي لا تستهلك الكثير من الطاقة، مثل مشروع «ويليامسون» الأسترالي، تلاقي اهتماماً متزايداً من جانب الحكومات والأفراد على حد سواء.

حيث أنها لا تستخدم سوى جزء بسيط من الطاقة المستخدمة في محطات التحلية التقليدية، التي تم بناؤها في الستينات من القرن الماضي، وستستهلك المحطة الأسترالية 90 ميغاوات لإنتاج 150 مليار لتر من الماء سنوياً، ومعدل الاستهلاك هذا لا يزال كبيراً، حيث إنه يعادل الطاقة القصوى الناتجة عن ثلاثة توربينات رياح ضخمة.

وتقوم الأفكار الريادية الجديدة في تحلية المياه على محاولة تسخير الطاقة وتطويعها بدلاً من الصراع معها، حيث سيتم بناء محطات تحلية للقيام بالخاصية الأسموزية بالطريقة العكسية، أي أن الماء سيتم امتصاصه دون جهد يذكر، إذا توافر هناك محلول «جاذب» أكبر كثافة يمر الماء من خلاله، وللوهلة الأولى، قد يبدو هذا الأمر غير عملي، لكنك إذا كنت ذكياً في اختيار مكونات المحلول الجاذب، فإنك ستحصل في النهاية على ماء نقي.

أولى الشركات

كانت شركة «هايدريشن تكنولوجي إنوفيشنز»، ومقرها مدينة ألباني في ولاية أوريغون الأميركية، من بين أولى الشركات، التي تبنت الفكرة الجديدة، حيث طرحت في الأسواق منتجها الأول عام 2004 المسمى «إكس باك».

وهو عبارة عن فلتر ماء قابل للحمل، يشتمل على أنبوب خاص لتنفيذ الخاصية الأسموزية العكسية موضوع داخل علبة بلاستيكية محكمة الإغلاق، تحتوي أيضاً على محلول جاذب للماء مكون من بودرة خاصة، مضاف إليها السكر وبعض المنكهات، حيث يمكن وضع الجهاز في بركة موحلة، مثلاً، وسيقوم المحلول السكري باجتذاب الماء النقي عبر الأنابيب.

لا يستغني الكثير من الجنود الأميركيين عن هذا الجهاز حالياً، كما يمكن تثبيته على جوانب القوارب لكي يمتص الماء العذب من البحر، وقد توزيعه أيضاَ، ضمن معونات الإغاثة الأميركية، التي تم إرسالها لضحايا زلزال تاهيتي، أوائل هذا العام، لكن «إكس باك» لن يكون بمقدوره حل مشكلات العطش في العالم أجمع، وإنما يمكن استخدامه لحالات الطوارئ الفردية فقط، نظراً لأنه مكلف كثيراً في إنتاج المياه على المدى الطويل.

إعداد ـ يوسف جباعتة