في هذة المقالات التي ينشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.

ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.كان يحلم أن يعيش وراء البحار، ويجوب العالم سواء كطبيب بحري أو مترجم أو مبشر ديني، ولكن مصيره انتهى بين أروقة المكتبات، باحثاً ومدوناً في تاريخ الأدب العربي وتاريخ الشعوب الإسلامية.

اشتغل أبوه تاجراً في ما يُسمى بـ «سلع المستعمرات»، وكانت أمه ـ كما قال عنها في سيرته الذاتية «سيدة تمتلك موهبة روحية، ومنها ورثت ميولي العلمية» وهي التي فتحت لأبنها آفاق الأدب الألماني. لكن هذه السعادة العائلية لم تدم طويلاً عندما ساءت الأحوال المادية لأبيه، فعاشت الأسرة في ضيق، وتحملت كل الأعباء من أجل أن يستمر في الدراسة والبحث. وفي تلك الأثناء، ظهرت ميوله إلى الدراسات الشرقية في وقت مبكر أي في سنوات المدرسة الثانوية، وربما كان بدافع التفكير والتأمل. وكان بروكلمان يتمتع بموهبة خارقة في تعلم اللغات، إذ أتقن إحدى عشرة لغة شرقية هي:

العربية، والسريانية، والعبرية، والآشورية، والبابلية، والحبشية، والفارسية الوسطى، والفارسية الحديثة، والأرمينية، والتركية، والقبطية، إلى جانب إتقانه: اليونانية واللاتينية والفرنسية والإيطالية والإنجليزية. وهذه العدة اللغوية الواسعة هيأته لأن يكون عالماً حقيقياً في مجال الدراسات والآداب واللغات الشرقية، والآشورية، واللغة التركية القديمة والسريانية.

دواخل الأدب العربي

لعل كتابه الأهم هو بلا شك «تاريخ الأدب العربي»، الذي وصل عدد مجلداته إلى ستة. وبهذا الكتاب أقام بروكلمان بحث الأدب الإسلامي العربي للمرة الأولى. وأصّر أن يدون دواخل هذا الأدب من خلال حياة أدبائه وأعمالهم الأدبية.

فقام بفهرسة الأدب العربي الذي لا يزال موجوداً اليوم مطبوعاً أو مخطوطاً فهرسة كاملة بقدر الإمكان. ولم يكتف بهذه الفهرسة بل مزج به رأيه وذائقته الأدبية. واستعرض في الجزء الثالث الذي صدر عام 1942 تطور الأدب العربي الحديث ابتداء من العقد الثامن من القرن التاسع عشر. فهو لم يعط هنا مجرد ملاحظة قصيرة عن المؤلف وعناوين مؤلفاته، وإنما بسط محتويات كثير من الكتب ليقدمها إلى القارئ الأوروبي والغربي.

كما أن هذا الاشتغال الواسع بالأدب العربي دفع بروكلمان في وقت مبكر إلى الاهتمام بالخلفية السياسية والحضارية لهذا الأدب، ما جعله يغور في العلوم الإسلامية ويفك أسرار صعودها وهبوطها.

وتابع نحو عشرين عاماً تاريخ الإسلام، بحثاً ودراسة، إلى أن ألف كتابه الشهير الآخر «تاريخ الشعوب الإسلامية» الذي تمت ترجمته إلى عدد من اللغات العالمية منها: العربية والفرنسية والإنجليزية والبولندية والتركية بعد الحرب العالمية الثانية.

وكان لا بد له من دراسة الجزيرة العربية قبيل ظهور الإسلام، ومتابعة حياة النبي محمد (ص)، ودراسة شخصيته العبقرية، ومن ثم الأحداث في عصر الخلفاء الراشدين، الدولة الأموية.

وتبع ذلك بعهد العباسيين والانقسامات التي طرأت عليها، حتى سقوط هذه الدول بمجيء المغول. وفي الجزء الثالث عالج قيام الدولة العثمانية وازدهارها ثم اضمحلالها البطيء حتى نهاية القرن الثامن عشر.

أما الجزآن الأخيران من الكتاب، فيعالجان بإسهاب موقف الإسلام وتطوره في القرن التاسع عشر. واستكمل في بحثه الأوضاع في الشرق الأدنى والأوسط ودول المغرب العربي ما بين الحربين العالميتين.

واشتهر بروكلمان بمواقفه المحبة للعام العربي والإسلامي، وأيد كفاحه ضد الاستعمار الأوربي. وقد أكد دعم الأماني السياسية والحضارية للعرب والمسلمين. وقد تميز بمعرفته بالتيارات والمذاهب في الإسلام. وتكمن قيمة كتابه في وصفه لتأريخ الإسلام وحضارته بكل نزاهة وموضوعية. وهذا ما أكسبه احتراماً كبيراً في العالم العربي والإسلامي.

رؤية التاريخ

اشتهر بروكلمان بغزارة إنتاجه الأدبي والفكري الذي غطى فترات طويلة من التاريخ العربي والإسلامي، وأعطى تحليلاته نكهة مغايرة لما كان يصدر عن المستشرقين الآخرين، وخاصة في مجال اللغة والأدب واللغات السامية.

وأطروحة الدكتوراه المعنونة ب«عبد الرحمن أبو الفرج بن الجوزي ـ تلقيح مفهوم الآثار في مختصر السير والأخبار» خير دليل على ذلك، تلك التي أهلته لنيل اللقب العلمي بجدارة في عام 1893.

وكذلك، أدلى بدلوه في تأليف المعاجم، منها المعجم السرياني الذي صدر في عام 1895. وأصدر «تاريخ الشعوب والدول الإسلامية» في عام 1939. حيث صدر عن الناشر«أولدنبورع».

والكتاب يعطي صورة شاملة لتاريخ الشعوب الإسلامية منذ بداية الإسلام وحتى العصر الذي عاش فيه المؤلف. والكتاب عرض عميق لتاريخ الإسلام منذ البداية حتى العصر الحاضر، وعمل على تنقيحه وإضافة معلومات جديدة إليه بعد مرور خمسة وعشرين عاماً على صدوره الأول. كان التراث العربي والحضارة الإسلامية يمثلان عنده ينبوعاً لا ينضب، وسفراً لا يُمل، لذلك أبحر في العالم ولم يتمكن من مغادرته حتى آخر لحظة من حياته.

تخطيطات لسيرة ذاتية

تم استدعاؤه للاشتراك في إعداد نشرة نقدية محققة لـ «الطبقات الكبرى» لابن سعد، والسفر إلى لندن واسطنبول للاطلاع على مخطوطات هذا الكتاب، فسافر بروكلمان إلى لندن في أغسطس عام 1895 وإلى اسطنبول 1896 ولم يكتف بأداء المهمة الخاصة ب«طبقات ابن سعد» بل انتهز الفرصة، فنسخ نسخة من «عيون الأخبار» لابن قتيبة، وقام بتحقيقها ونشرها وترجمتها. وكان يركز على إعادة تنظيم المخطوطات.

وساعده في ذلك تعيينه أستاذاً شرفياً في عام 1947. وألقى دروساً ومحاضرات في اللغة التركية والسريانية والأكدية والآشورية والبابلية، والحبشية والقبطية، وأمضى حياته يبحث عن نصوصها وأساطيرها هنا وهناك بين رفوف مكتبات العالم.

ولم يقتصر على التاريخ العربي بل تناول تاريخ كل الدول الإسلامية حتى العصر الحديث، ووضع في آخر الكتاب دليلا زمنيا يضم حوالي 400 تاريخ، تعد أهم معالم الطريق في التاريخ الإسلامي، طبع عام 1939.

واختتم بروكلمان حياته العلمية الحافلة بكتابة سيرته الذاتية، ووجهها إلى ابنه الذي اشترك في معركة ستالينجراد، وقد فرغ منها في سبتمبر 1940 وقد نشرها رودلف زلهيم الأستاذ في جامعة فرانكفورت تحت عنوان «تخطيطات في السيرة الذاتية وذكريات لكارل بروكلمان»، تحدث عبر فصولها عن علاقته الحميمة مع التراث العربي والحضارة الإسلامية التي شغف بها منذ سنوات شبابه. وظل مخلصاً لها حتى أواخر حياته.

لقد كرمت أوروبا كارل بروكلمان تقديرا لجهوده العظيمة ولإنجازاته الكبيرة في مجال العلم والمعرفة، ورحبت به الجمعيات والمنظمات الأوروبية، وفتحت له أبوابها ومنحته عضويتها تكريما له. ولعل أهم ما يمكن أن يفعله العالم العربي إزاء هذا الرجل العظيم هو ترجمة وطباعة كتبه ونشرها بين صفوف الجيل الجديد.

شاكر نوري