في المقالات التي تقوم بنشرها «البيان» بدءًا من اليوم، وعلى مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.
ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.ابن تاجر الجلود الهنغاري، أحدث انقلاباً في حقل الاستشراق من خلال كتابه «الدراسة المحمدية» 1888 ـ 1889، من خلال فكرة أن الإسلام عقيدة ليست جامدة بل تتطور مع الحياة.
وقد نوع في دراسته، من الفرق الدينية في الإسلام إلى الشعر العربي، مازجاً بين النظرتين الدينية والأدبية. ولكن عمله الأساسي يكمن في دراسة الحديث النبوي الشريف، وقدم رؤية جديدة له، معتبراً أقوال الرسول محمد (ص) ليست مجرد أقوال بل نافذة مضيئة على الإسلام في القرون الأولى.في منتصف القرن التاسع عشر، حدث انقلاب فكري في الحياة الثقافية، إذ تم استبدال البحث بالرواية، والشعر بالفلسفة، وظهر عالمان في الاستشراق غيّرا خريطة النظرة الغربية للإسلام: وهما ارنست رينان في فرنسا وتيودور نولده في ألمانيا.
وجاء المستشرق الهنغاري اغناز غولدزسهير لكي يتحدث عن الثقافات السامية والعربية من خلال ثقافة القرن التاسع عشر واستخلص أن الغرب أهمل هذه الثقافة لسنوات طويلة بسبب مركزية الثقافة الأوروبية.
نشر كتبه باللغات الألمانية والإنجليزية والفرنسية في مجال الفقه الإسلامي والأدب العربي، وترجم بعضها إلى العربية، كما نشرت مدرسة اللغات الشرقية بباريس كتاباً مكرساً لأعماله وحياته بالفرنسية.
الصلاة في دمشق والقاهرة
كتب تلميذه بيرنات هيللر 1871 ـ 1943:» تمكن غولدزسهير من فهم الإسلام فهماً عميقاً من خلال دراسة علاقته بالمجتمع الذي زاره. ولم يكن ينطلق في استشراقه من كونه منحدرا من قوة كبرى، مثل غالبية المستشرقين الأوروبيين. وفي سن الثالثة والعشرين زار مصر وفلسطين وسوريا، واتصل بالعلماء والفقهاء الأحياء لكي يفهم الإسلام بشكل عملي.
وفي فترة إقامته في دمشق، كان يستوعب الإسلام وتشبع به حتى قال «أصبحت مقتنعاً بأنني مسلم». وفي القاهرة بدأ بإقامة الصلاة كمسلم: «في وسط آلاف المصلين، ركعت على أرضية المسجد، ولم أكن في حياتي مليئاً بالإيمان كما كنت في هذه الجمعة المباركة».
ولقد رفض اليهودية كدين نمطي وجامد وطالب بتجديده وانفتاحه على الثقافات الأخرى. لذلك لم يبق يهودياً بصورة تقليدية بل كان يسعى إلى تطويره، والتخلص من غموضه. فقد كان يؤمن بأن الإسلام دين عقلاني بدون أن يفقد روحيته. ولم يتوقف عن إغناء الإسلام بالدراسات باعتباره مع اليهودية والمسيحية من الديانات التوحيدية.
ضد الإمبريالية الغربية
وتكشف مذكرات سنوات شبابه، عن مشاعره الغاضبة ضد التدخل الأوروبي في الشرق. «أوروبا أفسدت كل ما هو صحي، ودبغت جلود العرب الشريفة وبعثتهم إلى الموت كما فعل الاستعمار الفرنسي».
وفي فترة بقائه في القاهرة، فقد كان الأوروبي الأول الذي سمح له بالدراسة في الأزهر. « تحدثت ضد الهيمنة الأوروبية في البازار.. وتحدثت أيضاً عن نظريات الثقافة الإسلامية الجديدة، وأن الهيمنة الأوروبية تشكل وباء على العالم الإسلامي».
وأقام أول صداقة مع جمال الدين الأفغاني 1839 ـ 1897 الذي تحدث عن البلدان التابعة للأجنبي. ووقف ضد الإمبريالية ولم يكن لبلده هنغاريا مستعمرات في أرض الإسلام. ولكن عبر عن تعاطفه مع ثورة عرابي في مصر وظل يؤمن بمشروع الإصلاح الإسلامي.
وقف ضد الصهيونية
ومثل كثير من المثقفين، أصبح قومياً، لأنه شعر بالهامشية بالنسبة لأوروبا. ولأسباب شخصية ووطنية، لم يغادر بودابست، ولم يعتلي كرسي الأستاذية إلا في عام 1905. ولم يكن صهيونياً في حياته أبداً.
وكان يؤمن بأن حرية اليهود تأتي ضمن أوروبا وليس الانعزال عنها. في عام 1889، كتب «اليهودية مصطلح ديني وليس اثنوغرافي. وبالنسبة لقوميتي فأنا رجل عابر للقارات، وبالدين يهودي. عندما عدت من القدس إلى هنغاريا شعرت بأنني أعود إلى بيتي«.
ففي عام 1920، شجعه أحد القادة الصهيونيين ماكس نوردو 1849 ـ 1923 شجعه للالتحاق بجامعة القدس ـ التي أصبحت الجامعة العبرية فيما بعد. أجابه غولدزسهير: «إن مغادرة ارض هنغاريا في هذا الوقت يشبه تضحية ثقيلة من وجهة النظر الوطنية».
وكان غولدزسهير انتقد نظريات ارنست رينان العنصرية تجاه الشرق، وفند الكثير من آرائه، وخاصة فيما يخص محدودية العقل السامي والعربي الشرقي. وانطلاقاً من هذا النقد، أسس للدراسات الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير على حقل الاستشراق في العالم، بل إن تأثيراته كانت أكبر من تأثيرات ارنست رينان لأن أفكار الأخير تقادمت ولم تثبت صحتها أمام الحقائق.
ولعل استمرارية عمل غولدزسهير وحيويته تكمن كما يرى ألبير حوراني في أنه «أسس نوعاً من الأرثوذوكسية التي بقيت متميزة بقوتها حتى عصرنا الحاضر».
وأهم نظرياته تتركز في درس المسار التاريخي للتطور التشريعي للإسلام. ووقف على التصوف حتى أشاد بحساسيته الجمالية ورؤيته المحبة للعالم وانفتاحه على مفهوم الإنسان. فالتصوف كما كان يراه هذا المستشرق، يمثل شعلة للتسامح وسط عالم يعج ـ بالنسبة له ـ بالاستبداد والكراهية والأحادية. فما عاد الدين مع التصوف مجالا للاحتكار والخصومة لأن مجاله القلب والمحبة والعشق الإلهي. وليست الأديان سوى صور تنتقل إلى أذهاننا، كما يقول ابن عربي.
مؤسس الدراسات الإسلامية الحديثة
تعتبر على نطاق واسع بين مؤسسي الدراسات الإسلامية الحديثة في أوروبا. أول مستشرق قام بمحاولة واسعة شاملة للتشكيك في الحديث النبوي كان المستشرق اغناس غولدزسهير الذي يعده الباحثون أعمق العارفين بالحديث النبوي. ألف الكتب والمقالات في شرح وتفسير السنة. وقد اعتبر الباحثون الغربيون كتبه مرجعاً أساسياً في دراساتهم للأحاديث والسنن.
فقد تعمق في دراسة العلوم الإسلامية المختلفة وتتلمذ على بعض مشايخ الأزهر في مصر، وبلغت سمعته درجة بعيدة حتى ضمته بعض المجامع اللغوية العربية إلى عضويتها. وقد كتب عنه الدكتور مصطفى السباعي في كتابه «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي»، واعد عنه بحوث قيمة في قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنور «جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية«.
كتب كثيراً حول الإسلام عقيدة وشريعة وتاريخاً، وكان له تأثير في الدراسات الاستشراقية حتى يومنا هذا، حيث انتشرت كتبه في مختلف اللغات الأوروبية. ولا تزال جامعة برنستون تقرَّر كتابه (دراسات إسلامية) في مناهج قسم دراسات الشرق الأدنى، حيث قامت الجامعة بنشر ترجمة جديدة لهذا الكتاب، مع تعليقات المستشرق برنارد لويس.
ويرى المستشرق أن الإسلام عرف تعليم النساء منذ نشأته، خصوصاً الأحاديث النبوية التي روتها أم المؤمنين السيدة عائشة، حيث أن ربع علماء الحديث النبوي المسلمين في العصور الوسطى كنَّ من النساء.
شاكر نوري


