لا تزال المقارنة بين رمضان في الفترات الماضية وفي الوقت الحالي قائمة تتناولها المجالس الرمضانية بين فترة وأخرى بالمناقشة والتحليل والرصد، ولا تزال أيضا الذكريات القديمة لمن عاش شهر الفضائل منذ ثلاثين أو أربعين عاماً يذكر هذه الأيام بالخير ويتمنى عودتها مرة أخرى، كما لم يزل كل شاب يتخيل هذه الأيام التي لم تشأ ظروفه أن يشهدها.
وفي مجلس فضل محمد بن هده السويدي الرمضاني بالشارقة تناول الحاضرون لمحات من الماضي القديم، وأضافوا إليها انطباعاتهم الشخصية عن تلك الفترة التي يتذكرونها وكأنها كانت بالأمس، وعطروها بمواقف الخير التي أقدموا عليها، ثم قدموها كخلاصة تجربة لأجيال هذه الأيام.يقول فضل بن هده السويدي أن رمضان في الماضي كان يتسم بروح التكافل الاجتماعي والحرص على صلة الرحم، وكنا حريصين خلال هذه الأيام المباركة على التقارب بيننا وبين أهلنا لكي نستقبل عنهم العادات والتقاليد والأعراف المجتمعية التي تنتقل بهذه الطريقة، وكان الأهل أيضاً حريصون على تلقيننا المبادئ الأخلاقية والخطوات السليمة التي تساعد على تنشئتنا التنشئة السوية على أسس سليمة.
سهولة اللقاء
ويضيف بن هده أن رمضان في الماضي كان يشهد الاجتماع اليومي في بيت العائلة دون أن يتغيب عنه أي فرد من أفراد الأسرة على وجبة الإفطار، وكان التكوين الأسري في هذه الأيام يسمح من الناحية العملية بهذا التقارب.
حيث يكون الابن من سكان نفس المنزل أو على أقصى تقدير يسكن في نفس الحي، فيكون من السهل أن يلتقي الجميع وقت الإفطار على مائدة الوالد رب الأسرة، ويؤكد بن هده أن التقاليد الاجتماعية كانت تقضي بالترابط بين الجميع وانتقال مفردات الثقافة المجتمعية بين الأجيال انتقالاً سلساً ميسوراً، ويشير إلى أن منطقة اللية مثلاً في الشارقة خير مثال على وجود ذلك الترابط الأسري في الماضي، حيث أنها واحدة من أقدم مناطق الشارقة.
وكانت الروابط الأسرية هي الأقوى خلال هذه الفترة بينما إذا عقدنا مقارنة بدائية بين رمضان في الماضي ورمضان الحالي من ناحية الترابط الاجتماعي نجد أن الأيام الحالية لا تزيد فيها الروابط الاجتماعية من وجهة نظره على 40% فقط وهذه النسبة فقط هي التي تسعى للمحافظة على الترابط الاجتماعي.
ويشير بن هده إلى الأسباب التي أدت إلى تراجع الترابط الاجتماعي في رأيه وعلى رأسها التوسع العمراني الكبير الذي حدث خلال العشرين عاماً الماضية حيث اتسعت الرقعة السكنية، وانتشرت الأبراج الضخمة وأصبحت المسافات كبيرة بين الكتل السكنية.
وأصبح الابن يفضل المعيشة في مسكن خاص به ويفضل أن يكون في مسكن يختاره بما يتفق مع تطلعاته، وربما يبتعد هذا المسكن الجديد عن مقر الأسرة بأمتار أو كيلومترات أو أكثر من ذلك أو أقل، وهذا الابتعاد المكاني يفرض تغيرات على السلوك الاجتماعي الذي يتكيف تبعاً للحالات الواقعية الموجودة على أرض الواقع، فقد يفضل الابن تناول وجبة الإفطار مع أسرته الصغيرة، ولا يحرص على حضور المأدبة مع أفراد العائلة الكبيرة، وهكذا.
ويؤكد فضل السويدي على وجود مجموعة من القيم الاجتماعية التي توارثناها عن الآباء والأجداد ما زلنا نحرص عليها ونعض عليها بالنواجز، خاصة فيما يتعلق بالعادات الرمضانية ومنها مثلاً الحرص على تعليم القرآن للأطفال ومكافأتهم على ما يحفظون منه والحرص كذلك على الزيارات العائلية.
سلوكيات خاطئة
ويقول جرش محمد جرش علي السويدي أن سلوكيات المستهلكين في رمضان زمان كان يتسم بالاعتدال في معدلات الشراء الخاص بالسلع الغذائية والاستهلاكية بوجه عام، أما ما نراه الآن من إسراف وتبذير فيما يتعلق بالمواد الغذائية فهو يتنافى مع قواعد الدين ومع الأعراف الاجتماعية.
ويضيف جرش: في الماضي كان مجال التسوق لا يخرج عن محل البقالة الموجود في الحي، وكانت الأسر تتسوق فقط ما تحتاجه من مستلزمات إعداد وجبتي الفطور والسحور، مع بعض الحلوى ربما لاستهلاك يوم واحد نظراً لعدم وجود وسائل لحفظ الأطعمة مثل الثلاجات مثلما هو الوضع الآن، فلم تكن الكهرباء متاحة وقتها، ومع ذلك لا أذكر أنني رأيت مواد غذائية فائضة ملقاة في صندوق المهملات مثلما نرى الآن، ولا يمكن أن نقول أن هناك أي علاقة بين الوضع المادي وقتها والوضع المادي الحالي، فالمسألة مسألة عادات وسلوكيات وليست مسألة وفرة مادية من عدمه.
تجمع الشباب
ويؤكد سالم عبيد المزروعي على وجود تغيرات كبيرة اعترت المجتمع يمكن أن تفرق بين رمضان أيام زمان ورمضان في الآونة الحديثة، لعل من أهمها السلوك الشخصي للشباب خلال هذا الشهر الكريم، فعلى أيامه كما يشير كانت العلاقات الاجتماعية وإقامة العبادات في المسجد وصلة الرحم وحفظ وتلاوة القرآن الكريم، وغيرها من العادات الرمضانية أساس من أسس الشهر الفضيل.
بينما تغيرت هذه العادات في الوقت الحالي وأصبح جيل الشباب يفضل أن يقضي وقته بصحبة الأصدقاء ممن هم في مثل سنه، يرتادون المراكز التجارية ومقاهي الإنترنت والكوفي شوب، وتراجع لديهم الوازع الاجتماعي للترابط مع أفراد الأسرة الأكبر سناً والأكثر خبرة.
ويؤكد المزروعي على أن هذه التغيرات ترجع إلى أسباب عديدة من أهمها تأثير وسائل الإعلام على الأجيال الجديدة التي ترى في أبطال أفلام السينما مثلاً عليا، وترى من الثقافات الأخرى منابع لاستقاء العادات الاجتماعية، ويؤكد أن هذه التغيرات لابد منها ويستحيل وقفها أو الحد من تأثيراتها، ولكن في المقابل لا يمكن أن نتركها تتحكم في عادات شبابنا دون تدخل، علينا أن نراقب الأبناء من بعيد ودون أن يلحظوا، علينا أن نتدخل في الوقت المناسب لتصحيح الأخطاء والتوجيه نحو الصواب، علينا أن نذكر دائماً أنهم أمانة في أعناقنا وعلينا المحافظة عليها.
مراقبة الأطفال
ويشير المزروعي إلى سرعة انتقال الخبرات بين الشباب وبعضهم البعض، وبين الأطفال أيضاً، ويؤكد أن العصر الحالي بما يشهد من تطورات تقنية متلاحقة، له إيجابيات كثيرة من حيث تسهيل نواحي الحياة، ودائماً نجد أن الأطفال والشباب يتفاعلون بصورة أكبر مع التقنيات الحديثة، ويضرب المزروعي مثلاً على ذلك بطفله ذي الاعوام الثلاثة الذي احترف اللعب على برامج (بلاي ستيشن).
والمشكلة فقط كما يقول المزروعي أننا لا نستطيع أن نفتح الباب على مصراعيه للثقافات الغربية بما تحوي من مضامين بعضها مفيد للشباب وبعضها ضار، ولكن علينا مراقبة هذه المضامين قبل السماح بمرورها إلى الأجيال الجديدة. ويضيف المزروعي أن هناك من الشباب من يفضل صحبة صديقه على صحبة والده، وهذه العادة لم نشهدها خلال رمضان في أيام زمان، ولم يكن يدور ببال أحد أن تتغير المفاهيم بهذه السرعة وهذه الكيفية.
ولكن لاتزال الفرصة أمامنا للحد من تأثير الثقافات الغربية على الأجيال الجديدة، ولا تزال أمامنا الفرصة لإصلاح ما أفسدته الأفلام السينمائية في عقول الشباب، ولكن أكرر ضرورة أن يراقب كل أب أبناءه كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فالرقابة المنزلية على الوسائل التكنولوجية الحديثة مثل التلفزيون والانترنت تحد من المشكلات والسلبيات الاجتماعية التي يمكن أن تؤثر سلباً على عقول وعادات الشباب.
التقاليد السائدة
يؤكد محمد الجسمي باعتباره من جيل الشباب أن التطورات التكنولوجية المتلاحقة لا تتوقف عند حد معين ولا يمكن أن تتوقف، والفترة الزمنية التي مرت خلال العشرين أو الثلاثين عاماً الماضية كانت الدنيا تتحرك خلالها ولم تكن ساكنة.
ومن الطبيعي أن يبدأ جيل الشباب من حيث انتهى الكبار، ويضيف أنه لم يشهد العادات الرمضانية القديمة وبالتالي تختلف آراؤه وأفكاره عن من شهد هذه الأيام، ولكنه في نفس الوقت يحرص على التقاليد المجتمعية السائدة على اعتبار أنها موروث ثقافي وتاريخي مهم يدل على مدى الالتزام بالعادات العربية الأصيلة، وهو ليس ممن يقفون ضد التقاليد القديمة بل على العكس فهو يطالب بالمحافظة على العادات القديمة وإحيائها على اعتبار أنها جزء من هوية المجتمع الخليجي وتندثر هوية المجتمع باندثار هذه العادات القديمة.
ولكن في نفس الوقت يدعو إلى إتاحة الفرصة للشباب لاكتساب المزيد من الخبرات الحديثة والمتطورة للحاق بركب الحضارات المتطورة، مع الالتزام بمباديء الدين والأخلاق. ويضيف الجسمي أن عين الانتقاء لابد أن تتوفر لدى الشباب لاختيار ما يناسبهم من مفردات الثقافة الغربية ورفض ما يتعارض مع التقاليد العربية.
خطر الإعلانات على المستهلك
أكد الحاضرون على خطورة البرامج الإعلانية التي توقظ داخلنا النوازع الاستهلاكية، وأشار فضل بن هده إلى أن مثل هذه الإعلانات تستهدف التشجيع على اقتناء سلع ومواد ربما لا نحتاج إليها، ولكن السياسة الترويجية لهذه الإعلانات تخلق داخلنا شعوراً بالحاجة إليها، ولم يكن ذلك متاحاً أيام زمان، فقد كان التليفزيون على وقته كما يذكر يضم قناتين فقط، الكويت ودبي، ولم نكن شهدنا بعد هذا التزاحم من قبل الفضائيات العديدة التي ربما يتجاوز عددها الألف محطة.
ويشير سالم عبيد المزروعي إلى ضرورة توافر البرامج التوعوية التي تستهدف استعادة الترابط الاجتماعي خاصة خلال شهر رمضان والتركيز على صلة الرحم باعتبارها واحدة من الميزات التي يتمتع بها المجتمع العربي والإسلامي.
وقال جرش السويدي إن بعض العائلات تفضل أن تشتري احتياجاتها من المواد الغذائية بكميات كبيرة قبل شهر رمضان، دون أن تحسن حساب المقادير التي تحتاجها، فإذا ما انقضى الشهر الكريم اكتشفوا أن ما اشتروه يزيد بمراحل على احتياجاتهم، ويكون مصيره سلة المهملات، وهذه من العادات الدخيلة على مجتمعنا، وأتمنى ألا تطول.
الشارقة - البيان

