استطاع جمعة الصايغ اللواء السابق في شرطة دبي أن يضع كل ذكرياته الرمضانية على مائدة حوار ممتع أعاد للأذهان أحداث الشهر الكريم كما عاشها هو وجيله ممن شهدوا رمضان في العهود السابقة قبل انتشار السيارات وحتى قبل دخول الكهرباء إلى مناطق دبي.

يقول الصايغ ضمن شهادته: عاصرت زمن البساطة قبل أن تشهد بلادنا هذه المظاهر الحضارية الضخمة التي تتطور مع الأيام، وكان الوالدان في هذه الأيام هما قدوتنا الحسنة، فكان الوالد يحرص على تربية الأبناء تربية دينية ويحرص على تعويدهم الصلاة والصوم عند السابعة، ومما أذكر في هذا المجال أن من يبدأ الصوم في طفولته كان الوالدان يشجعانه بالهدايا لترسيخ مفهوم العبادة لديه، حتى إذا بلغ العاشرة انتظم في الصوم والصلاة دون الحاجة إلى تشجيع لأنها تحولت إلى قناعة ذاتية.

دروس المسجد

يضيف الصايغ: كنا نحرص على مرافقة الوالد إلى المسجد كل يوم، وكانت الدروس الرئيسية في المنهاج الدراسي هي فقه العبادات وعلم الحساب فقط، كما كنا نتعلم قراءة وتجويد القرآن الكريم، وكنت أحد تلاميذ المدرسة الأحمدية بدبي، وكان الصبي منا يحب أن يقلد الكبار في الالتزام بحيث يرى نفسه رجلاً، وتصادف أن كان رمضان أيام طفولتي يتفق مع أيام الدراسة.

وأذكر أنني كنت أعود من المدرسة فأستبدل ملابسي وأذهب بصحبة الرفاق إلى البحر، وكنت من مواليد منطقة ديرة، وشاهدت بائع الماء يمر في نهار رمضان يبيع الماء الحلو للأهالي، ومازلت أذكر نداءه المميز.. ماء.. ماء..

وكان الأهالي يتغلبون على حرارة الطقس في رمضان قبل دخول الكهرباء واستخدام المكيفات بالقدوم من منطقة أبو هيل التي كانت تشهد كثافة سكانية أعلى من باقي المناطق، إلى منطقة البراحة بالقرب من البحر وكانوا يبنون «أعراشاً» للمعيشة بها، أيضاً أذكر أننا كنا نسير على الأقدام المسافة ما بين سوق الذهب حيث كان بيتنا إلى البراحة، وكان الطريق لا يزال غير مرصوف، وكانت أعداد السيارات أقل من عدد أصابع اليد.

مشاعر بهجة

وعن مشاعر البهجة التي يستقبل بها الأهالي شهر رمضان الكريم وفرحتهم بقدومه يقول جمعة الصايغ: كان الناس على أيام طفولتي ينتظرون شهر رمضان بفارغ الصبر، وكانت فرحتهم بقدوم الشهر تفوق فرحتهم بقدوم أيام العيد، وكان الأهالي يستمتعون بليلة استطلاع هلال الشهر الفضيل، فتراهم يعيشون احتفالية ضخمة يشارك بها كل الأعمار، ويطرب لها الصغار كما يفرح لها الكبار.

وأذكر أن بعض الناس كانوا يتراصون أعلى أسطح بيوتهم الصغيرة لمحاولة رؤية الهلال، كما كان البعض منهم يخرجون إلى البحر في محاولة لرؤية أفضل وأوضح.

وكان كل حي يعلن خبر ظهور الهلال في استقلال تام عن الأحياء المجاورة، وأذكر في طفولتي أن جاءنا خبر يفيد أن أهل منطقة العوير صاموا بعد يومين من بداية أهل ديرة الصوم، والسبب هو عدم وجود وسائل الاتصال الحديثة التي نستخدمها الآن، ولأن الغيوم قد تمنع رؤية الهلال هناك، فهم يتابعون استطلاعه في اليوم التالي، وهكذا.

وعن طقوس الإفطار خلال الشهر الكريم يقول الصايغ: كانت التقاليد تقضي أن يتناول الرجال إفطارهم في مكان والنساء في مكان آخر، وأعتقد أن هذا التقليد لم يتبدل، فكان أبي وضيوفه يبدأون الإفطار ببعض التمرات عملاً بالسنة النبوية الشريفة، وكنت أتخذ من أبي قدوة فأتبعه في تصرفاته، حتى إذا تناولنا التمر ذهبنا إلى المسجد لأداء صلاة المغرب، وكان المسجد لا يبعد سوى 300 متر عن المنزل.

ومما لا يغيب عن ذاكرتي أن إمام المسجد كان والد المستشار إبراهيم أبو ملحة، وتلقينا على يده العديد من أحكام القرآن الكريم والعبادات، وبعد الصلاة نعود لاستكمال وجبة الإفطار في المنزل ثم نستعد لصلاة العشاء والتراويح، وبهذه المناسبة أذكر أن المساجد جميعها في ذلك الوقت كانت تؤدي صلاة التراويح في 20 ركعة ثم 3 منفردات كوتر.

ولا أذكر أن مسجداً على أيام طفولتنا أو شبابنا صلى بنا 8 ركعات، وكنا نستمتع بأداء هذه الصلوات في جو من الروحانيات والمتعة التي لا تضاهيها متعة، وكان المصلون يرددون الأناشيد الدينية في النصف الثاني من رمضان، ويودعون الشهر الكريم بكل حزن.

ويضيف الصايغ: إذا جاء يوم السابع والعشرين من رمضان كان الناس يبادرون إلى إخراج زكاة الفطر، وكانت في صورة أرز أو ما يتوفر لدى الأسرة من غلال، أما «المسحراتي» فكان يسمى «الرباع» يقرع الطبل، يمر بكل أحياء ديرة قبل الفجر ليتولى إيقاظ النيام لتناول السحور، وبعد انتهاء الشهر تقدم كل أسرة هدية عينية إليه عبارة عن كيلو أرز أو كيلوان من السكر أو بعض التمر.

أيمن حجازي