ليالي رمضان.. يجدها البعض أفضل ما في شهور السنة، وهي توفر لمن أراد أجواء من المتعة والمرح والتسلية على شكل أمسيات رمضانية لا يتوانى الكثيرون عن الظفر بها أو اغتنامها من أبوابها المشرعة لكل من أتاها..

فخلال الشهر الفضيل تكثر الخيم الرمضانية الشبابية الخاصة أو العامة «الفندقية»، ويحرص الأصدقاء كما وتطمح الأسر والعائلات على العيش في أجواء مثل تلك الخيم الرمضانية التي أمست معلماً بارزاً من معالم الشهر الفضيل في كثير من الدول العربية والإسلامية.سألنا الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير المفتين، مدير إدارة الإفتاء في دبي، عن حكم الشرع ورؤيته في بعض ملامح الشهر الفضيل المستحدثة، ولا سيما الخيم الرمضانية ومظاهر الترفيه والتسلية فيها، وتوقفنا معه عند بعض ممارسات الصائمين والمصلين كإفطار أحد على سيجارة مثلاً، أو القدوم إلى المسجد ورائحة التدخين تفوح منه، وفيما يلي بعض مما أجاب به فضيلة الدكتور الحداد.

تدخين الشيشة

في البداية أوضح الحداد أن أجواء الخيم الرمضانية المستحدثة في كثير من المواقع بما فيها من مقومات ترفيه وتدخين للشيشة وما إلى ذلك من الممارسات، تعد من المساوئ الاجتماعية في رمضان، فالشأن في ليل رمضان أن يكون للقيام وقراءة القرآن وذكر الله تعالى، فـ «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ومن قضى ليله في مثل هذه البطالة فإنه يفقد هذا الخير العميم الذي لا يعوض.

وأضاف أن الحريص على دينه ونفع نفسه يغتنم فرصة هذا الشهر، ويحمد الله تعالى على نعمته عليه، بإحيائه إليه وتوفيقه لصيامه، فلا يضيع فرصة عمره بمثل هذه السهرات والمخيمات باللهو والبطالة، فوظيفة ليالي هذا الشهر هي القيام وقراءة القرآن وصالح الأعمال.

وقد كان السلف الصالح إذا دخل شهر رمضان تركوا ما كانوا عليه من خير علم أو دعوة وأقبلوا على القرآن وقالوا هذا شهر القرآن، فمنهم من كان يختم القرآن في كل ليلة ومنهم من كان يختم في النهار ختمة وفي الليل ختمة ومنهم من كان يختمه في ثلاث، ومنهم المكثر ومنهم المقل، إلا أنهم جميعاً منشغلون بالقرآن لأنه الشهر الذي أنزل فيه.

كارثة كبيرة

وقال الحداد: هذا كله إن كان شغله باللهو والبطالة، فإن شغله بالغيبة والنميمة والسب والأذى فهي والله كارثة كبيرة، يتعين على المسلم أن يتجنبها ما استطاع، وإلا فإنه سيندم غاية الندم.

أما في ما يتعلق بالخيم الرمضانية وما تحتويه من جمهور وفعاليات، فقد وضع الدكتور أحمد الحداد مجموعة من الضوابط التي تتيح للمسلم الحرص عليها في خيم رمضان، وقال «إن كان لهذه الخيام من بد فينبغي أن تكون نواد للطاعة والقربة لله تعالى، بتدارس القرآن والحديث وسير الصالحين.

والمساهمة في فعل الخير، ولا يكون ذلك إلا بفعل أمور محددة»، مع ضرورة ألا يكون فيها شيء من منكرات القول أو الفعل، من شيشة أو تدخين، أو نرد أو قمار أو غناء، أو نحو ذلك، وأن تكون هذه المخيمات سليمة من الناحية الأمنية حتى لا تتحول إلى مخيمات كارثية.

الإفطار على السيجارة

وبخصوص إسراع بعض الصائمين بالتدخين قبل إفطارهم على شيء، أكد الدكتور أحمد الحداد أن الشأن في الصيام أن يكون حاملاً على التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، ولا خلاف بين عقلاء البشر فضلاً عن علمائهم أن التدخين بأنواعه المختلفة من أرذل الرذائل؛ لما فيه من آثار سلبية على الفرد والمجتمع والاقتصاد، وكل من ابتلي به يسعى سعياً حثيثاً لتخليص نفسه من شره وويله، وحلول شهر الصيام من الأسباب الكبيرة المعينة على التخلي عنه.

وأوضح أنه إذا علم الصائم أن له عند فطره دعوة لا ترد فكيف ينشغل عن ذلك بما يكرهه الله تعالى لخبثه، ويحرمه شرعه لضرره، فكيف سيكون داعياً في وقت هو فيه عاص بفعله أمراً محرماً، وهو في زمن الطاعة وموسم المغفرة، وإذا كان الصائم يفرح عند فطره بفضل الله تعالى عليه بنعمة الصيام ويجد لذة الطاعة عندئذ، ويفرح بنعمة الله تعالى بإباحة الطعام الطيب، فليكن فرحه بأطيب ما منَّ الله تعالى عليه به من الطيبات، لا ما هو معدود من الخبائث.

وشدد الحداد أنه ينبغي على الصائم أن يكون حصيفاً ليستفيد من مدرسة الصوم ما يزكي خلقه ويهذب وضعه في نفسه ومع الناس، ناهيك عن أنه بفطره بالتدخين قد ترك سنة نبوية، ينبغي للصائم الحرص عليها، وهي الفطر على التمر، فكيف يترك الصائم هذه السنة النافعة صحياً ودينياً، ويعدل إلى مثل هذا الإفطار، فإن العاقل لا يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

الاعتكاف في المساجد بديل شرعي للخيم

أشار الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد، مدير إدارة الإفتاء في دبي إلى أنه الأفضل عدم إقامة الخيام الرمضانية؛ بل أن ينشغل الناس في ليالي رمضان في بيوت الله تعالى اعتكافاً، كما هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لاسيما في العشر الأواخر، فما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الاعتكاف منذ أن شرع الله تعالى صيام رمضان..

ذلك هو حال المسلم في ليالي رمضان، فهو شهر القرآن ومغفرة الرحمن، ومع ذلك فإن لم يستطع الاعتكاف فلا أقل من أن يحيي ليله في القيام والتهجد والقراءة والذكر، لا ما ابتدعه المسلمون من هذه الغفلات القاتلات لعمر الإنسان وفرص حياته.

وقال إن الخيم يجب أن تكون تحت قيادة رجل رشيد عالم عاقل فاضل على هدى وتقوى لله تعالى، يدير جلساتها وينظم جدول أعمالها، وأن تكون جداول جلساتها بالطاعة البحتة من تدارس القرآن وتفسيره، ومجالس ذكر الله تعالى، وسير الصالحين، وألا تشغل الناس عن القيام، بألا تفتح حتى يصلي الناس التراويح.

دبي ـ عنان كتانة