اهتم المستشرق الإيطالي الأمير ليوني كايتاني منذ سنوات صباه الأولى باللغات، فانكب على تعلم السنسكريتية والعربية ذاتياً منذ عمر الخامسة عشرة. وكانت أروقة جامعة روما تردد صدى اللغات الشرقية: العربية والعبرية والفارسية واللغة الآشورية، فوجد فيها ضالته المنشودة.

ولم يكتف بهذه الدراسة بل أراد أن يتعرف على العالم العربي، فقام برحلات طويلة إلى العالم الإسلامي: تونس، الجزائر، سوريا، تركيا، العراق، الهند، آسيا الوسطى وروسيا من أجل أن يجمع المواد الأولية لأبحاثه، جامعاً مكتبة عربية عظيمة، ورثتها المكتبة الايطالية بعد رحيله.:حوليات الإسلام :إن ما قدمه كايتاني إلى التراث العربي والحضارة الإسلامية يفوق الخيال، فكتابه الضخم «حوليات الإسلام»، جهد عملاق، حلل فيه الإسلام في عشرة مجلدات، وكان يحلم بتأليف 25 مجلداً ولكنه المنية حالت دون ذلك. ساهم المستشرق دلا فيدا في تحرير مشروع «الحوليات» في عام 1911. وقد أهدى له المجلد التاسع من «حولياته»، معترفاً بفضله في الإسهام.واستكمل مشروعه الأساسي بكتاب «دراسات في تاريخ الشرق» في ثلاثة مجلدات.. وكتب تراجم عدد كبير من علماء المسلمين وأدبائهم في الأندلس، جمعها المستشرق الاسباني «ربيرا» ونشرت بالعربية تحت عنوان «تجارب الأمم» لمسكويه. تناول المؤرخ كايتاني في كتابه «حوليات الإسلام: «كيف أن معاقل المسيحية في الشرق قد تهاوت أمام المد الإسلامي، بسبب تلك الجاذبية وسطوع مبادئه».

ويضيف: «لما أهلت آخر الأمر أنباء الوحي الجديد فجأة من الصحراء، لم تعد المسيحية، بسبب انقساماتها الداخلية، وقنوط رجالها ويأسهم، لم تعد تلك المسيحية قادرة على مقاومة إغراء هذا الدين الجديد الذي بدد بضربة من ضرباته كل الشكوك، وقدم مزايا جليلة إلى جانب مبادئه الواضحة التي لا تقبل الجدل.

وحينئذ ترك الشرق المسيحية، وارتمى في أحضان العرب. ولا عجب فقد منح الإسلام العبد رجاء، والإنسانية إخاءً، ووهب الناس إدراكاً للحقائق الأساسية التي تقوم عليها الطبيعة البشرية.

وكان لهذه الأخوة الإسلامية أثرها على باقي الشعوب، وحفرت عميقاً في وجدانها هذه النزعة الإنسانية الخيرة التي ترفض التقسيم العرقي أو الطبقي».(ترجمة عبد الرحمن بدوي).

الديناميكية الداخلية لرسالة الإسلام

أكد كايتاني أن الإسلام هو الدين الذي انتشر بسلام، بقوله: «لم يضطهد العرب أحداً في السنوات الأولى من أجل الدين كما أنهم لم يعملوا على ضم أحد إلى دينهم. وقد تمتع المسيحيون الساميون في ظل الإسلام بعد الفتوحات الأولى بحرية لم يتمتعوا بها من قبل طيلة أجيال عديدة».

وهو من المعجبين بشخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حيث كانت الاعتبارات السِّيَاسِيَّة تملي تعاملاته مع اليهود والمسِّيحيّين إلى حدٍ كبير: لقد تعامل مع القبائل الوثنيّة بصفته عاهلاً ومع الإمبراطوريّات المحيطة بصفته رجل دولة. وهكذا أصبح للحركة وزناً عندما كان مُؤسِّسُها قادراً على امتشاق السيف و الإمساك به بنجاح، وتلك هي الحقيقية الأساسية في فجر الإسلام .

و لهذا عندما نسعى إلى تقدير أهميّة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لا يجب علينا أن نحاكمه كمصلح صُوفِيٍّ أو دينيٍّ على الرَّغم من أنّه يمكن أن يكون حائزاً على عناصر منهما بل بالأحرى كرجل دولة واجه مشاكل سياسيّة محدّدة و ملحّة بين أناسٍ غير متحضرين لحدٍ ما و في لحظةٍ حاسمةٍ من التّاريخ».

ويعتقد كايتاني بأن الانفجار العظيم، الذي قذف بالجيوش العربية نحو فتح الأراضي الخصبة المحيطة، هو فقط آخر سلاسل الانفجارات المشابهة للشعوب السّاميّة، التي كانت تلفظها الجزيرة العربية في الأزمنة التَّاريِخيّة، بسبب من الضغط الاقتصادي النّاتج عن الجفاف التّدريجيّ في الجزيرة العَرَبِيّة.

هكذا صار الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قائداً لهذه الحركة، وفق الأفكار الدّينيّة في الجزيرة العَرَبِيّة آنذاك، إضافةً إلى البعد السياسي والعملي. إَّن طبعه المندفع، المقترن بكفاية سِيَاسيِّة نادرة لرجل دولة ومرشد للقوم، جعلت منه متفوقاً، مفعماً بثقة شديدة بالذَّات.

إنّ المسلمين المتعصبين لحروب الفتح ، الّذين كان صيتهم ذائعاً وسط الأجيال المتأخرة، آمنوا و إنْ بقليلْ من الاهتمام بالدِّين.

وكانت هناك دوافع تحرك الهجرات العربية. فهذه الدوافع كانت اقتصادية، والدّين الجديد لم يكن أكثر من مطلب جماعة لتوحيد القوّة، وخاصة قوة الأخلاق الحقيقية».

ويمضي كايتاني في تحليله للإسلام في كتابه «حوليات الإسلام» إلى الشروط التي تحدد رؤية الحركات الاشتراكيَّة في التَّاريخ. كانت في مَكَّةَ طبقة غنيّة تملك كلَّ القُوّة بيديها، تتسيّد على طبقة كبيرة من المُعْوِزِين الّذين يعانون من ضغط الربا العديم الرحمة.

اندفع القُرْآنُ في اتهاماته المحقة بغزارة، فيما يتعلّق بأموالهم، وبصدد المُطَفِّفين الّذين يُخسرون النّاس أوزانهم ومكايِيلهم. تبذيرهم الأحمق للثّروة من جهة، والتّراكم المستمر من جهة أخرى. وفي الجانب الآخر، كان الشاهد مؤلماً كيف أنه رُفض تقديم الصدقات إلى المساكين، والسَّائلين، وكيف يُحرم اليتامى من الميراث، والعبيد يناضلون عبثاً من أجل الحرية أو الانعتاق.

ومن أجل وضع نهاية لهذه الظروف المعادية، تحت ظل العدالة التكافليّة، قام مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ، الّذي كان قد اختبر بنفسه قسوة حرمان اليتامى الفقراء في أيام نشأته ـ ـ بوضع تشريع صارم يوجب على كلِّ فردٍ دفع مقدار معلوم لدعم المَحْرُومِين.

وبهذه الطريقة فإنَّ المساواة ستتأسس سلمياً، باختلاف كلي عن جميع المساعي الاشتراكيّة للأزمنة القديمة، التي تُجلي ميلاً قويّاً للتحوّلات القسريّة في العلاقات الاِجتماعية».

إن اعتماد المستشرق الإيطالي على المنهج التاريخي في تعامله مع تاريخ الإسلام ورؤيته الموضوعية، غير المتحيزة، والبعيدة عن التعصب، جعله «حولياته» من المصادر الأساسية حول الإسلام الذي لم يكن واضح الأبعاد للإيطاليين آنذاك.

وحتى دوافع غزو ليبيا لم تكن واضحة المعالم. وأسهمت «حولياته» بتبديد الصورة النمطية التي تراكمت عن الإسلام بمرور العصور. وشدد على أن فهم الإسلام لا يمكن أن يتم عن طريق الأفكار المتعصبة، التي أثبتت فشلها في الانتشار والتقدم.

واستطاع أن يعطي رؤية واضحة عن شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، باعتباره رجل دين ودولة من خلال المعطيات الموضوعية التي أثبتت صحتها مع نجاح الرسالة المحمدية. والأجيال التي عملت على ترجمة حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يجب عليها أن تضع أمام أعينها معرفة الماضي، وفهم أبعاده، لا أن ترسم لوحات حسب رغباتها أو مثلها.

كما ناقش كايتاني صورة الإسلام في الغرب التي طالما شابتها الشكوك والظنون وسوء الفهم. وكان الجهل سبباً وراء كل ذلك. لذلك فالمهمة الأساسية كانت عسيرة على رجل مثل كايتاني، حاول أن يشرح أبعاد الإسلام، بمزيج من التحليل التاريخي والنفسي، صعود الدين الحنيف الذي لا يزال يجذب إليه أفواجاً متزايدة من المؤمنين.

من آرائه

تمتع المسيحيون الساميون في ظل الإسلام بعد الفتوحات الأولى بحرية لم يتمتعوا بها من قبل طيلة أجيال عديدة، ولم يضطهد العرب أحداً من أجل الدين

قالوا عنه

وقف المستشرق الايطالي الأمير ليوني كايتاني ضد احتلال بلده لليبيا، فأدانوه وتعاملوا معه كتركي منبوذ.

أدوارد سعيد

إن المستشرق الإيطالي ليوني كايتاني، خبير في الإسلام والدراسات الإسلامية، وتحقيق التراث، تلخصت آراؤه في أن انتشار الإسلام بين نصارى الكنائس الشرقية إنما كان نتيجة شعور باستياء عن السفسطة المذهبية التي جلبتها الروح الهلينية إلى اللاهوت المسيحي ..

أما الشرق، الذي عُرف بحبه للأفكار الواضحة البسيطة، فقد كانت الثقافة الهلينية وبالاً عليه من الوجهة الدينية، لأنها أحالت تعاليم المسيح البسيطة السامية إلى عقيدة محفوفة بمذاهب عويصة، مليئة بالشكوك والشبهات، فأدى ذلك إلى خلق شعور من اليأس، بل زعزع أصول العقيدة الدينية ذاتها ..

فلما أهلَّت، آخرَ الأمر، أنباءُ الوحي الجديد فجأة من الصحراء، ، لم تعد المسيحية بعد تلك قادرةً على مقاومة وإغراء هذا الدين الجديد الذي بدد بضربة من ضرباته كل الشكوك، وقدم مزايا مادية جلية، إلى جانب مبادئه الواضحة البسيطة التي لا تقبل الجدل، وحينئذ ترك الشرق المسيحية وارتمى في أحضان نبي بلاد العرب، محمد صلى الله عليه وسلم.. هكذا يلخص لنا كايتاني قصة صعود الإسلام وسطوعه.

إضاءة

قدم الأمير ليوني كايتاني لوحة صادقة عن الإسلام في عشرة مجلدات، شارحاً سماحة هذا الدين إلى الإيطاليين، بحيث أصبح مرجعاً أساسياً لأجيال من المستشرقين والجمهور.

وكان يشدد على أن معرفة الماضي تتيح معرفة التعامل مع الحاضر. وأشاد بشخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي استطاع أن يجمع هذا الشتات ويؤسس أمة أبدعت في العلوم. وكان للإسلام في نظره جاذبية خاصة بالنسبة للمسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام في الشرق.

الأمير ليوني كايتاني (1869-1926) من أبرز المستشرقين الإيطاليين. عمل سفيراً لبلاده في الولايات المتحدة. زار الكثير من البلدان الشرقية، منها الهند وإيران ومصر وسوريا ولبنان. من أبرز مؤلفاته حوليات الإسلام المكون من عشرة مجلدات تناولت تاريخ الإسلام.

وأنفق كثيراً من أمواله على البعثات العلمية لدراسة المنطقة. يعد كتابه الحوليات مرجعاً مهمًّا لكثير من المستشرقين.كان الأمير ليون كايتاني، يشغل منصب دوق سيرمونتيا، بالإضافة إلى كونه أكاديميا وسياسيا ومؤرخا للشرق الأوسط.

فقد كان رائداً وأباً مؤسساً لمنهج البحث التاريخي حول أصول التقاليد الإسلامية الأولى وربطها بالتحليل النفسي. هاجر إلى كندا في عام 1921 مع أوفيليا فابياني. وأنجبا بنتاً اسمها سيفا، والتي أصبحت رسامة موهوبة بعد طفولة مؤلمة. كان والده أميراً في «تيانو» ودوقاً في «سيمونيتا» من الطبقة الإيطالية الراقية.

في هذة المقالات التي تقوم تنشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.

ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.

محمد عمارة

شاكر نوري