(للحب رائحة وليس بوسعها ألا تفوح مزارع الدراق)، كلمات جميلة تغنى بها نزار قباني قبل أكثر من ثلاثين عاماً، تنطبق اليوم بشكل كبير على حالة الفنان بوردينون مونتاناري، الذي أغلق على نفسه الباب لأكثر من 20 عاماً ليتفرغ للرسم والنحت، لكن رائحة الدراق فاحت، واكتشفه العالم، ورصد الروائع الفنية التي كان يخفيها.
يبلغ مونتاناري من العمر 73 عاماً، وآخر عشرين عاماً من هذا العمر قضاها في بيته، الذي يعود بناؤه إلى القرن التاسع عشر، ولم يكن يخرج منه طوال تلك الفترة إلا نادراً، معتمداً في معيشته على زوجته، التي كانت ترعاه وتهتم بأمور طعامه وشرابه، وتشتري له كذلك الأدوات اللازمة لعمله الفني.
رغم كل تلك العزلة الشديدة، فإن أعمال مونتاناري ستعرض قريباً في لندن، مسبوقة بحفاوة جماهيرية كبيرة وتقدير كبير من نقاد الفن لهذا الفنان المجهول الذي اكتشفه العالم بالصدفة المحضة.
موهبة.. بالصدفة
يعيش مونتاناري في منطقة (بيدمونت) الإيطالية، وخلال الفترة الماضية أنتج مئات اللوحات التي تستحق، برأي النقاد، أن تعرض في أكبر المعارض الفنية في العالم، لكن المفارقة تكمن في أن تلك الموهبة تم اكتشافها بالصدفة، حيث كانت زوجته تعلق إعلاناً أمام البيت المكون من أربع طبقات تمهيداً لبيعه.
وذلك لأن حجمه أكبر مما يناسب أسرتها الصغيرة، وفي الأثناء مر رجلان بالمكان، هما رجل أعمال إيطالي مولود في الهند يدعى (راجا خارا) وشريكه، وتوقفا طالبين من المرأة أن تريهما العقار من الداخل، وعندما دخل الرجلان البيت.
دهشا لروعة اللوحات التي كان يحتويها، حيث كانت هناك أكثر من 500 لوحة تم تعليقها على الجدران، فلم تبق مساحة فارغة على الجدران في جميع أنحاء المنزل تقريباَ، لأن مونتاناري ملأها بجميع أنواع اللوحات، ومنها اللوحات الزيتية التي رسمها على قماش الكتان وعلى الكرتون المقوى، واللوحات الجدارية العملاقة التي يبلغ طولها 6 أمتار، في بعض الأحيان.
ومن شأن تلك اللوحات، بحسب ما يرى النقاد على امتداد العالم، أن تعيد كتابة تاريخ الفن الأوروبي في مرحلة ما بعد الحرب، كما قدم مونتاناري العديد من المنحوتات البارعة المشغولة من الخشب والحجر.
لم يتردد خارا في شراء البيت، على الفور، واشترى معه، بالاشتراك مع رجل أعمال هندي آخر، حقوق ملكية اللوحات والمنحوتات بمبلغ كبير جداً، وصف بأنه يتألف من سبعة أرقام.
وقام الرجلان بعدها بعرض تلك الأعمال الفنية على إدوارد لوسي- سميث، المؤرخ الفني البريطاني البارز، الذي دهش لجمالها، وقرر أن لا يحرم الجمهور منها، حيث تم التنسيق مع المعهد الثقافي الإيطالي في لندن لإقامة معرض كبير لتلك اللوحات، على أن تتبع ذلك معارض لأعمال الفنان الإيطالي في موسكو وروما.ويؤمن لوسي- سميث أن هذا اللون الفني مختلف عما يراه يومياً، ويرى أن مونتاناري فنان فريد من نوعه.
الفلسفة والنحت
درس مونتاناري الفلسفة في جامعة ميلانو، والنحت في أكاديمية الفنون الجميلة في بريرا، في الستينات من القرن الماضي، لينطلق بعدها في رحلات مكثفة عبر أرجاء أوروبا، معتمداً في الناحية المالية على عائلته، ورغم أنه باع بعض اللوحات للبنوك قبل 24 عاماً، إلا أن فكرة العزلة داهمته فجأة، فاختفى عن الأنظار، وغاب عن الذاكرة، بالنسبة للكثيرين من معارفه وأصدقائه.
عندما جاء رجل الأعمال خارا إلى بيت مونتانارو لأول مرة، لم يتوقف الأخير عن الرسم، لكنه في اليوم التالي وضع فرشاته جانباً، مبدياً موافقتهً على طلبات خارا في أن يبيعه اللوحات، ففي اليوم الأول قال إن :(هذا الرجل أضاع ساعتين من عمره لإقناعي ببيع لوحاتي، ولن أبيعها أبداً) .
لكنه باعها في اليوم التالي، وليس من المعروف الطريقة التي أقنعه بها رجل الأعمال، إلا أنها بلا شك طريقة عبقرية، ربما قال له إن الناس إذا لم يشاهدوا فنه في المعارض، فما قيمته الفنية الحقيقية؟
وبعدها قرر خارا وشريكه آرون رانغاشاري، رئيس شركة (دي أي آر كابيتال)، تأسيس مؤسسة خاصة تحمل اسم مونتاناري، وبناء ستوديو له قرب بيته القديم، كي لا يتوقف عن رسم تلك اللوحات، التي يرى نقاد الفن أنها لا تقل روعة عن أعمال فنانين كبار.
أما شريكه خارا فوصف مونتاناري بأنه رجل محافظ، ومن الصعب أن ينفتح على الآخرين، لكن مونتاناري يدافع عن قرار انعزاله عن الناس بالقول إنه يحب أربعة أمور في الحياة: القراءة والكتابة والرسم والنحت، وهذا ما أبقاه داخل بوابات بيته الكبير مدة تقرب من عشرين عاماً، دون أن يفكر في الخروج.
وعندما سأله مراسل صحيفة (أوبزرفر) اللندنية عما إذا كان لا يستطيع مفارقة أي من لوحاته، رد بأنه يرفض أن يسمح للوحاته أن تستعبده، فهو يرى أن الفنان أقوى من اللوحة.
يقول المؤرخ الفني لوسي سميث : ( بعض الفنانين المعاصرين يسعون إلى الشهرة، فيما بعضهم الآخر يحاول التملص منها قدر الإمكان، لأن الشهرة، بحسب رأيهم، عقبة في طريق تحقيق طموحاتهم، ومونتاناري من الصنف الثاني من الفنانين).
ووصف لوسي - سميث لوحات مونتاناري بأنها مميزة جداً، وتعتبر إضافة حقيقية للفن الإيطالي والعالمي، ويرى أن هناك شبهاً بين أعمال مونتاناري من جهة وأعمال بيكاسو وبيكون من جهة أخرى، في بعض النواحي، لكنه يقر بأن أعمال مونتاناري فريدة من نوعها على مستوى العالم.
اتجاهات وتيارات
ظهرت في الغرب بعد الستينات من القرن العشرين مجموعة اتجاهات وتيارات فنية اندرجت تحت مسمى (فن ما بعد الحداثة) أو ( الفن المعاصر)، والتي تمتد حتى وقتنا هذا، والمصطلح يشمل كل المدارس والتيارات خاصة في فنون العمارة والفنون التشكيلية، وقدم الكثيرون تعريفات مختلفة لمصطلح فن ما بعد الحداثة.
حيث ورد في كتاب الناقدة مارجريت روز أن فن ما بعد الحداثة هو ذلك الفن الذي يقبل أي شيء، أي أنه لا توجد قوانين تحده، أو أعراف ينبغي على الفنان الإلتزام بها أثناء رسمه للوحته أو نحته لتمثاله، ويرى الناقد إيهاب حسن أن ما بعد الحداثة هو زمن استحالة التحديد، أي أن من الصعب تأطير الأعمال الفنية وتصنيفها.
إعداد: يوسف جباعته
