على شاطئ الخان الهادئ حيث تتدفق الموجات السابحة على ضفاف أجمل سواحل الشارقة، وتتدفق معها أحاديث التاريخ العتيق والتراث الجميل، ينساب الكلام انطلاقا من الوقت الحاضر ليتوغل دون قصد في الماضي حيث مرحلة الستينات من القرن الماضي، مرحلة عشق البحر والسفينة والشبكة والصيد، مرحلة ما قبل الطفرة.
فعلى هذا الساحل حيث يقبع مربى الشارقة للأحياء المائية وبجواره متحف الشارقة البحري، سجل التاريخ قصصا كثيرة للأهالي مع البحر والصيد والشاطئ، كما شهدت الأجيال المتعاقبة الخير الوفير من الحرف التي عملوا بها.وهناك على شاطئ الذكريات خلف مربى الشارقة للأحياء المائية، استقبلت الخيمة الدائمة أعدادا من المشاركين في المجلس الرمضاني اليومي.:أنشطة متنوعة :تحول حديث الحاضرين إلى تلك المرحلة عندما كان الصيد والغوص هما الوسيلة الأساسية للحصول على القوت اليومي، كما كان البحر لا يبخل على من يحبه ويعطيه من وقته وجهده.كما يقول خميس علي بن غانم الحميري، ويضيف أن منطقة الخان في الماضي كانت تعج بالأنشطة المتنوعة وخاصة المرتبطة بالبحر، وأن المنطقة لا تزال تحمل بصمات التاريخ من خلال البيوت القديمة التي عاش فيها أجدادنا وآباؤنا بالقرب من الساحل.
ويضيف خميس أن أهم الحرف التي عمل بها هؤلاء كانت الغوص لجلب اللؤلؤ من الأعماق وصيد الأسماك إلا أن الحرفة الأولى تراجعت في الستينات لأسباب عديدة منها ظهور اللؤلؤ الصناعي وهجرة الأيدي العاملة للعمل في مجال النفط في البلاد المجاورة مثل قطر والبحرين بحثاً عن عائد أعلى ويؤكد الحميري أن منطقة الخان قديماً كانت تعد أحد المحاور المهمة للصيد والتجارة .
والدليل على ذلك أن أحد أهالي المنطقة وقتها وهو إبراهيم بن نصار كان له أسطول ضخم من سفن صيد اللؤلؤ تعمل ليل نهار في البحر تجاوز عددها مائة سفينة إلا أن طبيعة العمل لا يخلو من المغامرة ففي بعض الأحيان يستدين أحد الغواصين مبلغ 200 درهم لتمويل رحلة غوص تخرج للبحث عن اللؤلؤ.
وبعد عودته يكتشف أن الرحلة لم تؤت ثمارها المرجوة لأسباب عديدة لا دخل له بها فتكون النتيجة أنه يعيد فقط 100 درهم من أصل الدين ويؤجل سداد الباقي إلى رحلة تالية وهكذا.
محور التجارة
ويشير د. خالد صقر المري إلى الأهمية التراثية لمنطقة الخان قائلاً انها كانت محور التجارة بين السفن التي ارتادت هذا الشاطئ قديماً، كما أنها لا تزال تحتفظ بالعديد من الآثار التي تمتد أعمارها إلى بضع عشرات من السنين كما أن القلاع والحصون التي استخدمت في أغراض الاستطلاع والمراقبة لا تزال موجودة تشهد على الأهمية التاريخية التي تتمتع بها هذه المنطقة.
ويضيف د. خالد أنه عاش مرحلة طويلة من عمره في منطقة اللية القريبة من منطقة الخان، وفي مرحلة ما قبل النفط كان الأهالي يعتمدون على الحرف التقليدية مثل صيد السمك وصيد اللؤلو كما كانت تتمتع بموقع جغرافي وسيط بين المواقع التجارية المتعددة كما نرى إذا راجعنا خريطة السواحل، وكان كل ذلك من دواعي تدفق الخير على السكان من أبناء هذه المنطقة والمناطق المجاورة.
ويؤكد محمد أحمد المطوع أن المنطقة لا تزال تحتفظ ببقايا من البيوت القديمة والقلاع التاريخية التي أقيمت على فترات متعددة من التاريخ، وبقراءة سريعة لهذه الآثار يمكننا أن نفهم الطبيعة الحرفية لمنطقة الساحل وعلاقتها بالبحر، والأنشطة السكانية التي مورست على مر الحقب التاريخية.
تقلص العمالة
وعن صيد الأسماك يقول راشد خميس السويدي ان البحر كان ولا يزال يمثل مصدر الرزق لفئة كبيرة من الصيادين إذ يمثل النشاط الرئيسي لسكان مناطق الخان واللية والخالدية وغيرها من مناطق الشارقة، ويضيف أن الصيد في الماضي كان يتم تقريباً بنفس الطرق والآليات التي يتم بها حالياً.
والتي تعتمد على إحدى الوسائل، القفص أو الليخ (الشبك) أو القرقور، وكان كل صياد متخصص في نوع من هذه الأنواع الثلاثة يستخدم إحدى هذه الطرق لصيد السمك، وكنا في الماضي نخرج إلى الصيد في الفجر لنبحث عن رزقنا من السمك في البحر الكبير طوال اليوم ثم نعود في نهاية اليوم قرب وقت المغرب محملين بأنواع وكميات كبيرة منه.
وكانت أسعار السمك ثابتة في الأسواق لا تتعرض لهزات أو ارتفاعات مفاجئة، إلا أن الوضع تغير الآن، فقد تقلصت العمالة التي تقبل على العمل في مجال صيد السمك بسبب ضعف العائد المادي، وبالطبع كلما قل عدد الصيادين على المركب كلما تراجعت الكميات التي يمكن للمركب الحصول عليها.
وقال محمد راشد السويدي إن هناك عدة معوقات تسببت في تراجع الإقبال على الصيد أهمها اقتصار الموسم المسوح خلاله باستخدام الشباك على 6 أشهر، تبدأ في أكتوبر وتنتهي في شهر إبريل، وهذه الفترة تقلل من فرصة حصول الصياد على الكميات التي يأمل الحصول عليها لتغطية نفقات الرحلة.
لأن المعروف علمياً أن الأسماك تتحرك في شكل هجرات جماعية وتحدد هذه الهجرات اتجاهاتها تبعاً لأوضاع التيارات المائية التي تتحرك في البحر، ولأن الدول المجاورة تقوم بالصيد طوال العام، فإن فرصتها تكون أفضل في الحصول على الكميات التي تخطط لها.
ومن المعروف أيضاً أن طول الساحل يساعد على توفير الفرص المواتية لسفن الصيد، ومن الدول المجاورة نجد دول صاحبة سواحل طويلة تساعدها على توفير فرص أفضل للصيد، فإذا توقفنا خلال 6 أشهر من العام عن الصيد، تذهب حصتنا من الأسماك إلى صيادي هذه الدول.
معدات بسيطة
ويشير راشد خميس إلى المتغيرات التي رفعت أسعار الأسماك في الأسواق ومنها ارتفاع أسعار الوقود الذي يستخدم في تمويل طرادات الصيد، يقول أن ما قيمته 150 روبية من البترول كان يكفي لتمويل سفينة صيد من الشارقة إلى جزيرة أبو موسى والعودة، وهي رحلة تقدر بحوالي 30 ميلاً بحرياً أو أكثر، والآن تبلغ تكلفة نفس الرحلة ما يقرب من 1200 درهم.
أيضاً كانت رحلة الصيد تحتاج إلى معدات بسيطة يتوارثها الأبناء من الأجداد، الآن تطورت كل وسائل الصيد في كل السواحل المطلة على البحر لمواكبة الطلب المتزايد على الأسماك خاصة في المواسم التي خفف المستهلكون من إقبالهم على الطيور واللحوم لسبب أو لآخر.
ويتدخل محمد راشد ليضيف أن الأمر الواقع هو قيام التاجر بفرض سعر السمك لتغطية نفقاته والحصول على هامش ربح مرتفع بينما الصياد لا يستطيع مع الارتفاع المستمر في تكاليف رحلات الصيد أن يغطي نفقاته الأساسية، ويؤكد أن الطراد الذي يستخدمه حالياً للصيد كانت تصل تكاليف رحلته منذ عشر سنوات إلى 150 درهماً، بينما وصلت في الوقت الحالي إلى ما يزيد على 1000 درهم.
وعلى الرغم من توفير الجهات المختصة ماكينة للطراد، إلا أننا نضطر إلى بيعها لأنها لا تفي بالغرض إذ أن قوتها لا تزيد على 115 حصاناً بينما تحتاج رحلاتنا حتى تغطي نفقاتها على الأقل إلى 200 حصان، مما يضطرنا إلى بيعها وشراء ماكينة أكبر، وكل ذلك يعد من التكاليف الإضافية التي يتحملها الصياد.
معوقات واقتراحات
ويتساءل راشد خميس عن أسباب منع الصيد باستخدام الشباك خلال ستة أشهر من السنة إذا كان الصيد باستخدام القرقور مسموح طوال السنة، كما يتمنى أن تلتقي الجهات المعنية بالصيادين للاستماع إلى آرائهم حول المعوقات التي يواجهونها خلال عملهم، ومقترحاتهم التي قد تساهم في خفض أسعار الأسماك.
واشترك مجموعة من الحاضرين في مقترح موجه إلى الجهات المختصة قد يفيد في وضع حلول للمعوقات التي يواجهونها، فقد طالبوا بإجراء تجربة عملية بالسماح بفتح الليخ (شباك الصيد) طوال العام والتعرف على النتائج المنتظرة حيث يتوقعون وفرة في كميات الأسماك.
وانخفاضاً في أسعارها، كما يتوقعون هامش ربح عادل لهم وللتاجر وفي النهاية يصب المقترح لصالح المستهلك، بينما اقترح البعض الآخر أن تقوم الجهات المختصة بدعم الوقود المستخدم في طرادات الصيد خاصة (الديزل) ومن المتوقع إذا اتخذت هذه الخطوة أن تساعد على خفض تكلفة الرحلات وبالتالي تراجع أسعار الجملة ومن ثم أسعار البيع للمستهلك.
تنوع
نقاش وصحف وبرامج تلفزيونية في المجلس
مجلس الخان الشعبي مكرمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، حيث قام بتأسيسه في المنطقة الواقعة خلف مربى الشارقة للأحياء المائية، ويتعهد سموه بكامل النفقات اللازمة له لاحتضان أبناء المنطقة ضمن مجموعة من المجالس الشعبية التي أسسها سموه لخدمة أبناء الوطن.
ويزداد الإقبال على هذه المجالس خلال شهر رمضان، في فترة ما بعد صلاة التراويح، حيث يشهد المجلس الواحد حضور ما يزيد على مئتي شخص يشترك البعض في المناقشات أو متابعة برامج التلفزيون أو مطالعة الصحف، كما تقدم الحلوى والفواكه الطازجة والمشروبات المتنوعة إلى ضيوف المجلس.
وتعتبر منطقة الخان إحدى المناطق التراثية المعروفة في الشارقة حيث الحرف التقليدية المرتبطة بالبحر مثل صيد السمك والغوص بحثاً عن اللؤلؤ وصناعة شباك الصيد وغيرها.
كما أنها كانت أحد المحاور التجارية المهمة حيث كانت السفن القادمة من الدول المختلفة تلتقي بها لعقد الصفقات التجارية خاصة في مجال تجارة اللؤلؤ، كما تحتوي أيضاً على الحصون التي بنيت في الماضي لأغراض الأمن والدفاع عن المدينة ومراقبة الساحل تحسباً لهجمات الأعداء.
المشاركون في المجلس
د. خالد صقر المري، وراشد خميس السويدي، وخميس علي بن غانم الحميري، وخميس سيف بن سويف، ومحمد أحمد المطوع، وخليفة سعيد بن دسمان، وخليفة راشد المشوي السويدي، ومحمد راشد السويدي، وسلطان خميس السويدي، وخليفة سيف بن سويف، ومحمد يوسف، ومحمد سيف، وجمال عبيد السويدي، وأحمد عبد الله.
تاريخ الخان
يمتد تاريخ منطقة الخان بالشارقة إلى مئات السنوات حيث كان الصيد أحد أهم الأنشطة ثم التجارة التي نشطت هناك بسبب الموقع المتميز لهذه المنطقة بين الشارقة ودبي وبسبب النشاط الواسع الذي قامت به السفن التجارية في الخليج العربي حيث وصلت إلى عدة دول لتبادل التجارة معها منها الهند وعمان وبلاد الشام وجنوب أفريقيا وسريلانكا واليمن.
اكتسبت منطقة الخان شهرتها التاريخية من خلال نشاط تجارة اللؤلؤ وتصديره إلى العديد من دول العالم، وكانت المنطقة تضم بيوتا تشهد اجتماعات التجار لتحديد أسعار اللؤلؤ، وكانت الأسعار تحدد تبعاً لدرجة النقاء واللون وغيرها من المعايير التي يعرفها كل من عمل في هذه التجارة.
الشارقة ـ أيمن حجازي

