حرارة الصيف ورطوبته العالية ميزت ذكرياتي الرمضانية تارة، وزينتها بالمواقف الطريفة تارة أخرى.. هكذا عبر محمد الشحي-موظف- عن ذكرياته الرمضانية في أيام الطفولة.
وقال: بدأت الصيام عندما كنت في العاشرة من عمري، في منطقة وادي شعم في رأس الخيمة، وكان ذلك في فترة السبعينات التي كانت تتميز ببساطتها الشديدة وصعوبة الحياة فيها بسبب حرارة الصيف العالية، وعدم وجود الكهرباء.
وبالتالي عدم وجود المكيفات والثلاجات لتبريد المياه، وبما أنني أكبر إخوتي فقد ركز والديّ على تثقيفي جيدا حول الصيام وثوابه، وقد كنت أفطر يوما وأصوم يوما حتى أعتاد على الوضع الجديد، وأكون قدوة لأشقائي فيما بعد.
يوميات
وعن يومياته قال الشحي: كنت أذهب مع والدي في الصباح الباكر إلى مزرعتنا التي كانت تضم 300 نخلة تقريبا، حيث كنا نتعاون في جني الرطب تحت أشعة الشمس الحارقة، التي كانت تضعف عزيمتي وتجعلني أحلم بالماء طيلة العمل، ولكن والدي كان يحثني على الصبر والتحمل، ومقاومة الرطوبة والعطش، وبالفعل تحملت خشونة الحياة الكبيرة في شهر رمضان.
وكنت ألجأ إلى حوض كبير مملوء بالماء حتى أبرد جسمي، وأرتاح من عناء العمل ومشقته، وأستعيد طاقتي حتى أستطيع العودة ظهرا مع والدي إلى المنزل مشيا على الأقدام لمسافة 5 كيلومتر تقريبا على الطرق الرملية غير المعبدة.
وعندما نصل إلى منزلنا -«المقياظ» - المبني من الحصى والمغطى بسعف النخيل، كنت أفعل كما كان يفعل أبي وأمي وأشقائي، حيث كنت أعصر قطعة قماش مبللة بالماء وأغطي بها جسمي كاملا، بسبب الرطوبة والحرارة العالية.وأوضح الشحي أن هناك ذكريات جميلة لا ينساها.
وقال: على الرغم من إعجابي الكبير بقدرة والدي على التحمل والصيام تحت درجات الحرارة العالية، ومحاولاتي للحفاظ على صيامي عندما كنت في الحادية عشرة من عمري، إلا أنني كنت أفطر خفية أحيانا عن أفراد عائلتي، حيث كنت أستمتع بشرب الماء بعد بذل مجهود كبير في العمل مع والدي في المزرعة.
وعن المساحة التي يحتلها المسحراتي من ذكرياته، قال الشحي: لم يكن لدينا مسحراتي في فترة السبعينات، بل كنا نعتمد على سماعنا لأذان السحور، حيث لم تكن هناك مكبرات صوت بسبب عدم وجود الكهرباء.
جمع الحطب
وكان تحضير مائدة الإفطار تحديا يوميا ينتظر جميع أفراد عائلة الشحي، الذين عانوا كغيرهم من العائلات من الحياة البسيطة، وقال محمد: كنت أذهب مع إخوتي لجلب الماء من البئر.
كما كنا نجمع الحطب حتى تتمكن والدتي من إشعال النار والبدء بعملية الطهي، وعند اقتراب موعد الإفطار كنا نأخذ قدر مليء بالطعام ونذهب مع والدي إلى المسجد، حيث يجتمع جميع رجال الحي للإفطار سويا.
أما النساء فكن يجتمعن في البيوت، وعند الانتهاء كنا نعود إلى البيت ونجلس مع والدتي وشقيقاتي، وبعد أداء صلاة العشاء والتراويح كنا نذهب مع والدي لزيارة جميع بيوت الحي، حيث نشرب القهوة، وتتم مناقشة العديد من المواضيع الشيقة التي تدور حول الزراعة بشكل عام، وقد استفدت كثيرا في حياتي من مجالس الكبار تلك.
عيد لا ينسى
وحول شراء ملابس ومستلزمات العيد، قال الشحي: كان والدي يشتري لنا ملابس العيد قبل أن يبدأ شهر الصيام، وكنا نتشوق إلى ارتدائها واللعب فيها، وبما أنني أتحدث عن العيد، فهناك موقف طريف لم ولن تمحوه الأيام من ذاكرتي، وهو أننا كنا صائمين في أول أيام العيد ظنا منا أنه آخر يوم في شهر رمضان.
حيث لم تكن هناك وسائل تكنولوجية حديثة تنقل لنا الأخبار كالهاتف أو التلفزيون، وعندما ذهبنا مع والدي إلى مزرعتنا كالعادة، فوجئنا بتهاني الناس الحارة لنا بقدوم العيد!، فما كان منا إلا أن عدنا إلى البيت وأفطرنا وارتدينا ملابس العيد وخرجنا للعب.
معاملة
يؤكد الشحي أنه متمسك بالعادات والتقاليد الرمضانية التي اعتاد عليها منذ الصغر، وقال: أحمد الله على وجود أبي وأمي في حياتي إلى يومنا هذا، فقد علماني قيمة العادات الاجتماعية.
وأثر صلات الأرحام القوية في حياة الإنسان بشكل عام، وبالنسبة لي فأنا أتعامل مع أبنائي تماما كما كان والديّ يعاملانني، وقد غرست فيهم المبادئ الأصيلة نفسها التي تشربتها من الماضي وحرارته الكبيرة.
دبي - ريما عبدالفتاح
