سمعت نغمة هاتفي النقال ليعلمني بأن في بريدي الوارد رسالة، وبعد قليل سمعت نغمة ورود رسالة أخرى، وأيضا بعد قليل رسالة، فهممت لأرى ما الخبر؟ فإذا هي عبارات التهاني والمعايدات بقدوم الشهر المبارك.
نصوص جاهزة لا تتضمن اسمي ولا اسم المرسل. فلو وجد في هذه النصوص اسمي أو اسم المرسل لأصبحت حميمية أكثر، ولما صلحت لأن تبعث لآلاف الناس..القاصي والداني، القريب والغريب، في مرتبة واحدة من المشاعر ولا أكثر ولا أقل
. إن النص بارد ومعلب ومقولب، وحاله حال كل شيء في هذا الزمان العجيب للأسف، وهنا أقول للأسف، لأنني لازلت أذكر في أيام طفولتي، أننا كنا حين نعرف أن غداً هو أول أيام الشهر الفضيل، نذهب في زيارات قصيرة للأقارب لنعايدهم ونبتهج بفرح معهم..
ليبدأ الشهر الكريم بألقه. فكان حقاً شهر العفو والتسامح وصلة الرحم. وما نراه اليوم في رمضان أننا لا نستطيع مكالمة أحد لأن الكل مشغول بالإعداد للطعام، وكأن رمضان مهرجان للطعام. كان شهر الزهد والاقتصاد، أما اليوم فترى النساء والرجال على حد سواء وقد أصابتهم حمى التسوق.
وتذهب أموالهم بعد ذلك إلى الحاويات، وهو باب يفضي لآخر يدعونا لحفظ النعمة، لكن أينا من يحفظ النعمة؟ هل سلم أحدنا في هذا الشهر من تصريف باقي الطعام لأنه فاض عن حاجة أهل البيت؟ (اللهم اغفر لنا) أوترى باقي أموال الصائمين قد ذهبت للبطون، وهذا يقودنا إلى أن لأجسادنا علينا حق فأين هذا الحق منا؟ بالأمس كان شهر الغزوات؛ خاض فيه المسلمون غزوة بدر، وفيه فتح الرسول مكة.
اليوم لسنا قادرين أن نتم المهام المكتبية، ويتهرب أغلب الموظفين من أعمالهم أو يؤخرونها، والحجة هي «أنا صائم»، كيف لو كان جنديا في خندق الواجب؟ كان رمضان شهر القرب من الله عز وجل، وشهر القيام وغض البصر وحفظ اللسان.. أين نحن من هذا؟
فما نحن سوى نماذج مجردة من المشاعر، مرهونة لنغمات الهاتف معلنة بورود رسالة نصية، وغدا حين يأتي العيد سيكون هاتفي مزدحما، وسيفيض بمعايدات العيد العامة والخالية من أي تخصيص يزكيني، ويؤكد أني معنية بما تحمله الرسالة من عبارات ومشاعر جميلة. ومن يدري، قد أمرر لكم بعضا منها، وهذا ما نقوم به جميعا، فما الواعظ بخير من الموعوظ. اللهم اغفر لنا، ولا تؤاخذنا بما نسينا أو أخطانا، واعف عنا وارحمنا، وأنت خير الراحمين.
ديمة راضي ـ الإمارات