بدت القلعة البيضاء من خلف الحقول البعيدة، معقلاً متهالكاً، لكنه متماسك، يجثم كطائر على تل الصخور، مشرفاً على سهل مزروع بمحصول ذهبي، في ضوء النهار الساطع، في مدينة جيانستي بإقليم التبت. هذه القلعة لها قصة.

في العام 1904 وقعت معركة غيرت مسار تاريخ التبت. استولت حملة بريطانية يقودها سير فرانسيس يونغ ـ هاسباند المغامر، على القلعة، وواصلت السير إلى لاسا، عاصمة التبت، لتصبح أول قوة غربية تفتح التبت على مصراعيها، وتحصل على أول تنازلات اقتصادية من رهبانها البوذيين.

دفع الغزو الدموي للمنطقة حكام مانشو من عائلة كينغ في بكين إلى اتخاذ قرار بإخضاع التبت لسلطتهم المباشرة، بدلاً من مواصلة التعامل معها كدولة تابعة.

وفي العام 1910، وبمجرد مغادرة الانجليز المنطقة، احتل ألفا جندي صيني العاصمة لاسا.

وانتهى ذلك الاحتلال في العام 1913، بعد تفكك عائلة كينغ الحاكمة في الصين، لتبدأ فترة استقلال ذاتي بحكم الواقع، يعتبرها الكثير من أهل التبت التمهيد الحديث لسيادة التبت. واحتل الشيوعيون الصينيون التبت مجدداً، في العام 1951، ربما متأثرين بقرار حكام كينغ بغزو المملكة الجبلية.

هذه الأيام، تقف مدينة جيانستي، التي شهدت معركة العام 1904، كأي مدينة أخرى في وسط التبت. لكن شوارعها المتربة مليئة بالمتاجر والمطاعم التي يشغلها مهاجرون من «الهان»، الذين ينظر إليهم أهل التبت على أنهم أحدث موجات الغزو الصيني.

لكن الحكومة الصينية تفضل تشتيت انتباه العالم بعيداً عن هذا الموضوع، وتركيزها على الأحداث الوحشية التي شهدتها جيانستي على يد الانجليز في ذلك الوقت، وهو ما يتفق تماماً مع وجهة نظرهم بالنسبة لوضع التبت وتاريخ الصين.

وتصر الحكومة الصينية على أن التبت جزء لا يتجزأ من الصين، وتعتبر أن معركة العام 1904 ليست إلا فصلاً جديداً في التاريخ الطويل لمحاولات الاستعمار العالمي لتفكيك الصين، وهو ما تتناوله مناهج التعليم الشيوعية الصينية تحت تسمية «مئة عام من المهانة».

وفي الأدب الشعبي الشيوعي، ترد قصة جيانستي كالتالي: أهل التبت صمدوا من أجل الصينيين، الذين كانوا ضحايا القوى الأجنبية خلال حكم عائلة كينغ. وقالت ديتشو، وهي سيدة من أهل التبت تعمل في مكتب الشؤون الخارجية في لاسا وهي ترافق صحافيين أجانب في زيارة رسمية للمنطقة: «السكان المحليون قاوموا الانجليز هناك في جيانستي. لقد أبدوا مقاومة رائعة، ولذلك سميت المدينة، مدينة الأبطال».

في أواخر التسعينات، عندما كانت بريطانيا تتخذ الإجراءات اللازمة لإعادة هونغ كونغ إلى الصين، بدأت الحكومة الصينية حملة دعائية للتركيز على هذه الفكرة.

وفي العام 1997، تم إنتاج فيلم سينمائي، حول الغزو البريطاني في العام 1904، تحت اسم «وادي النهر الأحمر». حقق الفيلم نجاحاً ساحقاً، ولا يزال الصينيون يتحدثون عنه بعشق. كما أنه الفيلم المفضل لدى بعض مسؤولي التبت وتلاميذ المدارس.

ويقول روبرت بارنيت، أستاذ دراسات التبت في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك الأميركية: «استمعت إلى معزوفة موسيقية، وشاهدت مسرحيتين وفيلماً آخر، وقرأت رواية مطولة حول الموضوع نفسه منذ ذلك الوقت».

وكان يقصد بذلك الفترة منذ أواخر التسعينات. وأوضح أنه لم يكن هناك أي ذكر في الأدب الخاص بالتبت فيما يتعلق باعتبار مدينة جيانستي «مدينة أبطال» قبل هذه الفترة.

وفي العام 2004، الذي صادف الذكرى المئوية لغزو البريطاني لجيانستي، نظم المسؤولون الصينيون أنشطة لإحياء هذه الذكرى، كان من بينها حفل موسيقي تحت عنوان «حمام الدم في الوادي الأحمر». ومن بين أمور أخرى لا تزال تأتي يوماً بعد يوم، متحف عن معركة جيانستي داخل قلعة المدينة.

عصام بيومي