في هذة المقالات التي تقوم بنشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.
ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.بعد مناقشة رسالته الجامعية في علوم الدين واللغات السامية في جامعة لايدن حول موضوع شعائر الحج في عام 1880، سعى المستشرق الهولندي كريستيان سنوك هورخرونيه أن ينفذ حلماً قديماً راوده، وهو زيارة مكة المكرّمة، فكان أول زائر هولندي لها. وهناك اعتنق الإسلام وأجرى عملية الختان وغير اسمه إلى: عبد الغفار.
مكث خمسة أشهر هناك، وجمع كنزا من المعلومات العلمية نشرها في عام1888، فكانت ثورة في البحث العلمي المستند على رصد الحياة اليومية وتعزيزها بالصور والتسجيلات الصوتية.
تلقى الكثير من النقد لأنه وضع معارفه في خدمة الحكومة الهولندية الاستعمارية آنذاك، لكنه لم يكن يرى أي عيب أن يعمل مستشاراً لدى حكومته التي كانت تسعى آنذاك في نظره إلى تحديث المجتمع الإسلامي وإعطائه استقلاله فيما بعد.
وفي الحقيقة، كانت هولندا عمليا أكبر بلد إسلامي لأنها كانت تحكم ملايين المسلمين في إندونيسيا. وكان الصراع مشتداً آنذاك بين الاستعمار الغربي والحكم العثماني، ولكن هورخرونيه كان أن معرفة الإسلام أمر ضروري لفهم الإسلام والمجتمع الإندونيسي.
الرحلة المعرفية إلى مكة المكرمة
أصبح الحج في نهاية القرن التاسع عشر موضوعا سياسيا مهما في هولندا وذلك لان أعدادا كبيرة من الإندونيسيين كانت تؤدّي فريضة الحج كل سنة. وتصاعدت أصوات كثيرة تدعو إلى تقليص أو الحد من زيارة مكة لأسباب عديدة.
واستجابة لرغبة المستشرق، حسب ما تذكره الوثائق الهولندية، أن القنصل الهولندي العام في جدة اقترح أن ترسل الحكومة الهولندية مستشرقا اسمه سنوك هرخرونيه إلى جدة ليعمل بين الحجاج الإندونيسيين للاطلاع على ما يقوم به الإندونيسيون المسلمون، فمّولت سفرته جزئيا.
ووصل هورخرونيه إلى جدة في صيف عام 1883، وتدرّب على تعلّم لغة الخطابة بالعربية، وإنشاء علاقات مع الحجاج الجاويين، وعلماء مكة، كما جاء في دفتر مذكّراته المحفوظ في مكتبة جامعة لايدن.
اشتهرت رحلته إلى الجزيرة العربية في أوروبا بعد أن نشر كتابه عن مكة في جزأين مع مجموعة من الصور الفوتوغرافية النادرة حيث قدم في الجزء الأول منه، وصفا تاريخيا للمدينة المقدّسة نقلا عن مصادر مكتوبة باللغة العربية، أما في الجزء الثاني، فقدم وصفاً للحياة اليومية فيها، مما أثار فضول الأوروبيين والغربيين لتلك الحياة.
وإثر صدور هذا الكتاب، بدأت الحكومة الهولندية بتغيير سياستها إزاء إندونيسيا بعد انفجار الثورة في إقليم غرب جاوة تحت شعار الإسلام وفتاوى أصدرها علماء مكة. وسارعت إلى الاستفادة من خبرة هرخروني في مكة وإندونيسيا.
وهناك تعرف على العالم الحضرمي السيد عثمان بن يحيى العلوي الذي تبادل معه المراسلات حين وصل إلى لايدن قادماً من مكة. ولتقوية أواصره مع الإندونيسيين، فقد تزوّج ابنة أحد القضاة، ولما توفيت تزوّج ابنة قاض آخر. وكان المسلمون الإندونيسيون يعتبرونه عالماً دينياً، حتى أخذوا بطلب الفتوى منه، ويخاطبونه كالتالي: «إلى الشيخ العلاّمة عبد الغفار مفتي باتافيا» أو «الى شيخ الإسلام في الديار الجاوية» إلى آخره.
جامعة الحرم لكل الجنسيات والقوميات
في كتابه الشهير عن مكة، تحدث المستشرق الهولندي عن الحياة المكية قبل قرن من الزمان وقد فصل العادات والتقاليد والأجناس وتقاليدها والعادات الاجتماعية من الختان والأفراح.
ووثق موضوعات هامة مثل جامعة الحرم، التي اعتبرها أهم جامعة علمية آنذاك، مستخدما المصطلحات الأكاديمية في وصف الفصول الدراسية وأوقات المحاضرات وأماكن الدراسة في الصحن والأروقة.
وكان معجباً بالروح «الكوسموبوليتية» أي العالمية في هذه الدراسة حيث تفد جميع الجنسيات لطلب العلم. نقرأ هذا الوصف: «يتجمع الطلاب في حلقة حول الأستاذ ولكل سجادة يجلس عليها ويضع أمامه حامل المحبرة النحاسي، وبه الدواة والأقلام القصب وسكين لبري الأقلام وأوراق للكتابة». (ترجمة: على عودة الشيوخ/ دارة الملك عبد العزيز).
ويبدي إعجابه بهذه الجامعة التي أصبحت قبلة للمسلمين كافة في عصر كانت الكثير من الدول الإسلامية تسبح في الظلام. وذكر أبرز علماء الحرم، منهم: بكري شطا محمد بسيوني، وعمر شامي، ومصطقى عقيقي، ومحمد منشاوي من مصر، وسعيد بابصيل من حضرموت وعبد الحميد داغستاني من البلاد العربية وقله من الجاوه.
وسرد تفاصيل حجاج جاوه وعاداتهم وتقاليدهم وتاريخ وصولهم لمكة المكرمة نظرا لكونه هولنديا وكون بلاد جاوه كانت مستعمرة هولندية آنذاك. وتحدث عن الاحتفالات في الحجاز وتشمل الألعاب والأعراس والأعياد، والمناسبات الاجتماعية، والزيارات الموسمية وغيرها.
كما تطرق إلى «الاحتفالات في العصر الجاهلي التي كانت تقام بمكة المكرمة، فتضرب فيها الدفوف وتعزف المزامير في الأعراس، وقد اشتهر المكيون بالغناء منذ وقت مبكر، وكان للمترفين بمكة مجالس سمر، ينصبون لها الأٍرائك، ويمدون فيها الموائد، ويتفكهون بما طاب من ثمار الطائف، وكانوا يتخذون مجالس الشراب، ويستمعون فيها للشعر والقصص والغناء«.
وكانت هناك عدة احتفالات أخرى تقام في الأسواق الموسمية المشهورة مثل سوق عكاظ، وسوق مجنة، وذي المجاز، حيث يجتمع الناس من الأعيان والشعراء للمفاخرة، فكانوا يتفاخرون بالنسب أو بالشرف أو بالخصال الحميدة كالكرم والجود والنجدة والمروءة.
وكانت لأهل مكة في الجاهلية احتفالات بقدوم المولود، فيقيمون له حفلاً في يوم ختانه، ولم يكن الختان مرتبطاً بيوم معين، فهناك من يختن في السابع، وهناك من يختن قبيل البلوغ.
وكانت حفلات الختان تقام وتستمر أكثر من يوم، وقد تستغرق لثلاثة أيام أو سبعة، حيث يحضر المغنون والمغنيات وأصحاب الألعاب والصبيان، وتقدم الحلوى ومختلف أصناف الطعام التي تعكس الجوانب الاقتصادية لكل أسرةس.
وتحدث عن الاحتفالات في صدر الإسلام «وبقدوم الإسلام، أصبح المسجد الحرام بمكة والمسجد النبوي بالمدينة المركزين الدينيين اللذين كان يجتمع فيهما المسلمون لأداء الصلوات والجمع والجماعات وإقامة الاحتفالات بالأعياد والمناسبات. فقد كان يحدث بالمسجد النبوي، تبادل القصائد والشعر والمدح والرثاء، واستقبال وفود العرب». كما لم يفته الاحتفال بالعقيقة وقدوم شهر رمضان وختم القرآن، والمولد النبوي.
احتفال أهل مكة المكرمة بالمولد النبوي
كتب هورخروفيه عن طريقة احتفال أهل مكة بمولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم : «إنه في ظهر اليوم الحادي عشر من ربيع الأول، تطلق المدافع إعلاناً لهذه المناسبة، ويبدأ المدرسون بالحرم بقراءة قصة المولد بدلاً من إعطاء الدروس والمحاضرات.
ومع صلاة المغرب من اليوم الثاني عشر يتجمع الناس بأعداد كبيرة، وتحضر النساء في أبهى زينة، معهن الحلي كأنهن في يوم العيد، ويلبس الأطفال الملابس الزاهية ويحضرون مع أمهاتهم، ويحدث صخب بالمسجد، وتمتلئ المحلات التجارية بالألعاب والحلوى، وبعد الانتهاء من صلاة المغرب، تضاء المصابيح بأعداد كبيرة، ويبدأ الجمهور في تبادل التحايا بينهم. وفي الجهة الشمالية من الحرم يجلس الإمام على منصة خشبية وظهره إلى الكعبة، مواجهاً الجمهور ليتلو قصة المولد.
شاكر نوري

