بقدر ما يعد شهر رمضان مناسبة دينية محورها العبادة والتقرب إلى الله تعالى، فهو شهر يزخر بالملامح الاجتماعية والنفسية وحتى العائلية.. فيه تتقارب النفوس بين الأشقاء والأصدقاء والجيران، وتتجلى سلطة رب العائلة على هيئة فرح وانسجام، وفي حدود شهر واحد نلاحظ عموماً أن العائلات على اختلاف مشاربها تتآلف على قلب رجل واحد وتتشارك وتتكامل في أدوار اجتماعية تؤطر العلاقات بين الصغار والكبار والرجال والنساء على حد سواء.
وفي هذا الإطار يجمع عدد من الآباء على أن الشهر الفضيل يبقى فرصة مثالية للتقارب الأسري والعائلي والاستغناء ولو مؤقتاً عن علاقات الموبايل والانترنت والبلوتوث والرسائل النصية التي على ما يبدو أمست العلامة الفارقة في جسد العلاقات الاجتماعية بين بني البشر في هذا العصر.
تواصل عائلي
علي خميس رب أسرة إماراتي وهو أحد الذين ينتظرون الشهر الكريم بروح عائلية مختلفة، حيث يقول إنه وبمجرد بزوغ هلال شهر رمضان يتوجه مع أسرته إلى بيت العائلة الكبيرة لتهنئتهم بهذه المناسبة، فهو حريص على إبقاء الماضي حياً في نفوس أبنائه وبقية أسرته من خلال الجلسات العائلية الموسعة، ناهيك عن اهتمامه بتأدية العبادات والصلوات وقراءة القرآن هو وبقية أسرته.
وبالنسبة لأبناء علي خميس فهو مهتم بإبقائهم ضمن إطار العائلة الأكبر، وهم يؤدون خلال الشهر الفضيل واجبهم الاجتماعي كما يؤدون واجبهم الديني، وتلك أمور لا غنى عنها طيلة أيام الشهر الفضيل.
كما يقول، في حين أنه لا يمانع خروج أبنائه مع أصدقائهم ضمن تجمعات في الحي، وحينما يكبرون قليلا سيترك لهم خيار الذهاب إلى مجالس شبابية وخيام رمضانية يستفيدون منها في أمور توعوية واجتماعية متعددة، لاسيما وأن الخيام باتت هذه الأيام مقصداً للعديد من الجهات والمؤسسات التي تعمل على توجيه طاقات الشباب نحو الأفضل.
وفي النهاية يتجلى حرص علي الأب خلال شهر رمضان المبارك في دمج أسرته النووية مع عائلته الكبيرة، حيث ان الشهر الفضيل يبقى الفرصة المثالية للتواصل والتراحم والتزاور بين الأهل والأصدقاء، لا سيما بعد انقضاء صلاة التراويح التي تترك في النفس أثراً إيجابياً وشعوراً مريحاً، وحينها يطيب للكثيرين التجمع في بيت الوالد أو الوالدة والبقاء في أجواء اجتماعية مميزة قلما تتكرر في غير هذه المناسبات الدينية والاجتماعية.
رفض التقنية
ويوضح حسين مراد أن شهر رمضان بالنسبة له عنوان للتواصل والتزاور، حيث ان الإنسان يظل منشغلاً طوال شهور السنة ولا يجد فرصة مثالية للتقارب مع بقية أفراد أسرته إلا في أيام الشهر الفضيل، حيث تتجلى السوالف والقصص والروايات في اجتماعات الأسر على مائدة رمضانية مميزة.
مشيراً إلى أن تقنيات الهاتف والموبايل سرقت من الوجوه تعابير إنسانية يودها الجميع، وحينما يأتي الشهر الكريم فلا حاجة لتلك الوسائل التي أبعدت الأخ عن أخيه، فصلة الرحم تبرز على النحو الأكمل، والأصدقاء ينتشون في تجمعات مميزة، والعائلة تلتقي على حب أفرادها، وكل تلك الملامح تؤكد أن شهر رمضان لا يكتمل إلا بالتخلي عن الاعتماد على الموبايل في العلاقات بين الأهل والأصدقاء والجيران، وتلك ملامح مهمة يسعى مراد إلى غرسها في نفوس أبنائه منذ الصغر.
التقاط الأنفاس
وقال محمد الماس إن شهر رمضان الكريم يعد فرصة مواتية لالتقاط الأنفاس العائلية والتخلص من عبء الانشغال بالوظيفة والسوق والعمل، مؤكداً أن أهم ما يفرضه على أفراد أسرته التواجد الدائم على مائدة الإفطار التي من الواجب أن تجمع أكبر عدد من أفراد الأسرة كل يوم.
ويشير إلى أن تأدية صلاة التراويح واجب يدركه الصغار في حين أن الزيارات العائلية تقرب النفوس إلى بعضها وتستعيد ذكريات التربية القديمة، موضحاً حرصه على تفعيل جوانب الالتزام الديني لدى أبنائه لاسيما في تأدية الصلوات وتلاوة القرآن الكريم وترديد الأذكار، حيث يعد رمضان فرصة سانحة لتعويد الأبناء على الالتزام بواجباتهم الدينية إضافة إلى بقائهم في إطار «اللمة» العائلية التي تنعش ثلاثين يوماً من كل عام.
تأصيل العادات
أحمد الملا رب أسرة يرى في الشهر الكريم متسعاً لتأصيل العادات الإيجابية لدى الأبناء، ففيه يتعود الصغير على أمور كثيرة منها الاعتماد على النفس وصلة الرحم وتأدية العبادات واستقبال الضيوف والتوجه نحو الأعمال الخيرية، وتلك الأمور يقصدها الملا هدفاً لصقل تربية الأبناء الدينية والاجتماعية الصالحة.
ويؤكد أن التواصل مع الأصدقاء أمر مهم بالنسبة للأبناء الشباب، فالمشاركة في الخيام الرمضانية عادة مجتمعية ايجابية تتجلى فيها صور متعددة من الفائدة في كثير من الأمور، وفي رمضان يمكن لكل أب أن يستثمر في أبنائه إيجابياً طالما أنه ينتقي في ذلك الزمان والمكان المناسبين.
اتفاق الآباء على التقرب من الأبناء
خطوة تعويد الصغار على مشاركة الكبار في مجالسهم وتجمعاتهم وفي الخروج معهم إلى المسجد أو إلى زيارة الأقارب والأرحام، تبقى من أهم الملامح التي أبدى تجاهها الآباء اتفاقاً جماعياً، معتبرين أنه وفي حال تخلى أو تنحى أو حتى أهمل الأب موقعه بالنسبة للصغار فإنه حتماً سيجدهم فريسة سهلة إما لأصدقاء السوء أو لمصائد التقنيات التي أصبح الجيل اليوم منشغلاً بها.
وأيد هاشم محمد شكري، فكرة أن يظل الآباء قريبين من أبنائهم في كل ما يحيط بهم، وألا يتركوا الصغار والمراهقين في غرف مغلقة وبين أيديهم أعتى أصناف الهلاك والانحراف، مثلما أنه لا يمكن غض الطرف عن صداقات الأبناء التي من الواجب أن تخضع لتفقد روتيني من الآباء بين فترة وأخرى.
موضحاً أن الأب وفي حال حرص على مرافقة ومراقبة أبنائه بالشكل المعقول، إضافة إلى نصحهم وتوجيههم، فإنه حتماً سيقلل من أضرار مخرجات هذا العصر تجاههم، سواء كان ذلك من خلال التقنيات أو في محيط أصدقاء السوء.
دبي ـ عنان كتانة
