في هذة المقالات التي تقوم بنشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً،.\
حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم. ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.
ورث المستشرق الروسي ميخائيل بيوتروفسكي حبه للحضارات القديمة والشرقية من والده بوريس بيوتروفسكي، الفنان المعماري الروسي والعالم المعروف والمدير السابق لمتحف الأرميتاج.ومن والدته التي هي الأخرى عالمة آثار وباحثة في حضارة «الأورارتو». وقد رافق بيوتروفسكي الصبي أبويه اللذان شاركا في التنقيبات الأثرية ما ساعده في شق طريقه العلمي. قبل أن يُعرف كمدير للأرميتاج بوقت طويل، طافت شهرته بصفته مستشرق ضليع بعلوم القرآن ومترجميه، ومجيد لعدد من اللغات العبرية القديمة والآرامية والسريانية. ويجيد الانجليزية والفرنسية والألمانية. وقد ترجمت معظم دراساته إلى اللغة العربية. كما ألقى محاضرات في الجامعات العربية.
المنقب عن آثار اليمن
عكف على دراسة جزيرة العرب، مؤلفاً حولها العديد من الدراسات، منها عن مملكتي سبأ وحمير وتاريخ الإسلام والنقوش العربية القديمة في الجزيرة العربية وملاحم العرب وحكاياتهم القديمة في الجاهلية والإسلام.
وقد ذهب مع فيتالي فاومكين وأمير خانون إلى اليمن في بحث أثري استمر من 1987إلى1989. ودرس حبروت التي ذكرها كتاب ياقوت الحموي بهذا الاسم وهو اسمها القديم قبل الإسلام وبعده وقد ورد ذكرها بأنها ارتدت عن دفع الزكاة وبها وادي حبروت.
واستقر الإنسان في هذا الوادي في الألف الثاني قبل الميلاد. وعن هذا يقول«انجذبت شخصيا للتنقيب عن الآثار التي مارستها خلال سنوات الشباب في اليمن.
وترغب يدي بملامسة كل حجر في القديس، رغم إنه ليس لدي وقت للقيام بالحفر». وشارك في البرنامج الحكومي «روسيا في الأرض المقدسة» هادفاً إلى إحياء نشاط الجمعية الفلسطينية. وينص هذا البرنامج على التعاون مع الكنيسة في النشاط العلمي كالقيام بعمليات التنقيب وتكوين المؤسسات العلمية.
الفنون والآداب العربية الإسلامية
أكد المستشرق الروسي أن اهتمام مشاهير الأدب الروس وفي مقدمتهم بوشكين وتولستوي بالأدب العربي والإسلامي شكل حالة استثنائية في علاقة الشعب الروسي بالشعوب الأخرى، وخاصة اهتمام بوشكين بهذه الثقافة العريقة، وانكبابه على قراءة القرآن، وانعكاس ذلك في مؤلفاته الشعرية. وقد لعب الأدباء والمستشرقين الروس والسوفييت دوراً بارزاً في إحياء وبعث هذا الإرث الثقافي المتمازج بين العرب والروس.
عرفت الثقافتان العربية والروسية علاقة تبادل ممتدة في التاريخ، مما أدى إلى بروز أعمال أدبية تحمل بصمات مشتركة. في الجانب الروسي نجد الأديب والمؤرخ ليو تولستوي الذي عشق الشرق وبهره القرآن الكريم، وأشاد بشخصية الرسول محمد(ص)، وتأثر بالأدب العربي في مؤلفاته، خاصة (حاجي مراد). وتوج تولستوي جهوده في الاقتباس من التراث الثقافي الإسلامي بمؤلفه «حكم النبي».
وسار في نفس الدرب كل من ميخائيل لبرمونتوف ونيكولاي غوغول وتشيخوف ومكسيم غوركي الذي تأثر بالتراث العربي واقتبس من حكايات وقصص العرب.
أما الجانب العربي فقد عرف منذ القديم عددا من المؤرخين الذين فتحوا باب التواصل الثقافي العربي الروسي، وأسسوا جسرا للحوار بين الحضارتين الروسية والعربية، كان منهم المسعودي- توفي عام 956، و ابن الوردي- توفي عام 749، والمقدسي- توفي عام 1000، وياقوت الحموي- توفي عام 1228. واستثمر الأدباء والمفكرون المعاصرون رصيد التواصل الثقافي والعلمي الذي تراكم بين الجانبين العربي والروسي في القرون الماضية.
الكنوز الإسلامية في متحف الأرميتاج
لهذا المتحف دور في التعريف بالثقافة العربية والحضارة الإسلامية، كما يؤكد بيوتروفسكي على أن متحف الأرميتاج يعنى بالتثقيف في مجال الثقافة الإسلامية، التي لا تُعرف بشكل جلي سواء في أوربا أم في العالم.
ويوجد في الأرميتاج برنامج كبير للمعارض الدولية التي تتحدث عن معنى الثقافة الإسلامية في مختلف المجالات. ويُبين آخر معرض «في القصور والسرادق.. العالم الإسلامي بين أوربا والصين» ؟
التعاون الديناميكي لثقافات أوراسيا، وكيف أثر العالم الإسلامي في البداية على أوربا، ومن ثم على أوربا. وتعتبر جميع هذه الجوانب مهمة لحوار الثقافات. وعملية عرض الفن الإسلامي للعالم خارج روسيا وداخلها تقليدا عريقا لهذا المتحف.
وقد استخدمت مجموعات الارميتاج في السنوات الأخيرة فقط للحديث عن فن الإسلام في معارض جرى تنظيمها في سانت بطرسبورغ ولندن وأمستردام و أدينبورغ و قازان وغيرها.
وتستند معارض الأرميتاج على محورين للحديث عن فن الإسلام في الاختلاف والتشابه. فالفن المسيحي يُعد فنا واستعاريا، بينما يعتبر الفن الإسلامي تجريديا وكذلك موضوعات الجنة والنار في كلا الدينين.
أما المحور الثاني فيتمثل بوصف العلاقات الكبيرة للثقافة الإسلامية في روسيا كجزء من الثقافة العالمية. ولهذا خصص بيوتروفسكي معرضا جديدا دائما في متحف الارميتاج، مُكرس لفن داغستان للفترة ما بين القرن الرابع عشر والعشرين.
حيث عُرض فيه 115 معروضا، بما فيها مخطوطة باللغة العربية يُطلق عليها «ألق نور القلوب في جمع أسرار العاشق والمحبوب» لأبي المعالي عزيز الذي عاش في نهاية القرن الحادي عشر.
يقول بيوتروفسكي «أن معرض الفنون الإسلاميّة يهدف إلى إبراز العناصر المشتركة بين الإرث الحضاري الإنساني، تُختصر في ثلاث كلمات تشترك فيها جميع الأمم والشعوب: الحياة، الإيمان، الأمل».
ويرى أن المسلمين في روسيا يعتبرون سكانا أصليين، حتى أن أراضي معينة كان يسكنها المسلمون الروس. وذلك لأن بيوتروفسكي يؤمن بحوار الثقافات كما يقول:«إننا نسعى لجعل الناس متعلمين في فهم الثقافات الأخرى من أجل التعامل مع الثقافة كتنوع بديهي يُزين الحياة من اجل حوار الثقافات».
الصراع بين الكنيسة والإسلام لا وجود له
على الرغم من الوئام الذي يعم بين الإسلام والدين المسيحي، نشب في بعض المناطق مثل قازان، صراع بين الكنيسة الروسية والإسلام، مصحوباً بالتعصب الديني، ولكن كان يوجد دائماً من يتصدى لمثل هذه الاتجاهات، وليس فقط في الدراسات الأكاديمية، وإنما أيضاً في الثقافة العامة، برز هذا الاتجاه في القرن التاسع عشر والقرن العشرين على يدي مستشرقين أمثال روزن وبارتولد.
يقول بيوتروفسكي «عندما نجد الأساتذة في الجامعات، يكتبون ضد الناس الذين يستخدمون الدراسات الشرقية كوسيلة لخدمة الأيدلوجية، فإن هذا التوجه، يكون تراثاً لنا من هؤلاء الأساتذة من القرن التاسع عشر، لذلك يمكن القول أن دور الكنيسة الروسية في الحملة ضد الإسلام، أقل بكثير من دور الكنيسة الكاثوليكية، لأن الإسلام بالنسبة للكنيسة الروسية لم يكن عدواً، وإنما منافساً، فقد كانت الدعاية ضد الإسلام (مثلاً) ضرورية، من أجل إقناع الناس بالمسيحية.
وهذا غير مرتبط بالتعصب أو بأغراض سياسية واضحة، ولم يكن هذا الأمر على مستوى فكري، وإنما هو أشبه بالمباراة منه بالعداء في حرب». ويضيف في هذا المجال: «نحن شرقيون إلى درجة كبيرة، والكنيسة الأرثوذكسية الروسية كنيسة شرقية، وهي أقرب للإسلام وفهمه بطبيعة الحال».
شاكر نوري


