استطاع الدكتور خالد صقر المري رئيس مجلس أولياء الأمور بالشارقة أن يحتفظ بركن خاص لذكريات رمضان في مكان أمين من ذاكرته القوية، ساعده على ذلك أنه يتمنى عودة هذه الأيام السعيدة، كما أن هناك كوكبة من الأصدقاء المقربين لا يزال على اتصال بهم منذ أيام الطفولة، يساعد كل منهم الآخر على استعادة التاريخ كلما بدا أنه يبتعد عن أحدهم.
وعن بدايته مع الصوم في سن الطفولة يقول الدكتور خالد: كان والدي إماماً لأحد المساجد بالشارقة، وكان يحرص على تنشئتنا وتربيتنا تربية إسلامية سليمة، كما كانت الوالدة تحرص على إدخال الصوم إلى نفوسنا بطريقة محببة وتشجعنا على القيام به، كان عمري حوالي ست سنوات ونصف عندما بدأت الصوم.
ولأن رمضان في هذه السنة كان يصادف أحد شهور الصيف، فكنت أشعر بالعطش الشديد، ولم أتحمل هذا الشعور بعد يومين أو ثلاثة من الصوم، وكانت رقابة الوالدة رحمها الله علينا رقابة لصيقة، فقد اضطررت أن أتناول الماء خلال الوضوء.
وربما صور لي عقلي وقتها كطفل أن هذا يعتبر حلاً للمشكلة، ولكن في العام التالي كنت قد تجاوزت السابعة بقليل وأتممت صوم الشهر كاملاً، وأبتسم كلما تذكرت هذه الوقائع الطفولية.
تشجيع
يضيف د. المري: كان العام التالي أقل حرارة وأيسر في الصوم، وكنت قد بدأت مع أخواني في حفظ القرآن الكريم وكانت المنافسة قد بدأت بيني وبين أصدقائي وإخواني من أبناء الحي الذي أعيش فيه في مجال حفظ القرآن الكريم.
وهو منطقة اللية بالشارقة، والتي تعرف حالياً باسم منطقة ميناء خالد، وكان أولياء أمورنا يشجعوننا على الحفظ بتقديم جوائز عينية للفائزين في المنافسات، وكانوا قبل ذلك يقدمون لنا القدوة والمثل الأعلى على الحفظ والتجويد، وكنا نحرص على تقليدهم في الالتزام بقواعد الدين والأخلاق.
وعن العادات الرمضانية خلال الفترة الماضية يقول د. المري: من أهم العادات الرمضانية في ذلك الوقت، والتي أعتقد أنها لا تزال مستمرة منذ زمن طويل، عادة الاجتماع خلال الشهر الكريم أمام مائدة الإفطار.
وربما كان السبب في ذلك وجود الترابط الأسري والتواصل بين أفراد الأسرة الواحدة، لأن من عادات مجتمعنا أن الابن في حالة إقدامه على الزواج يتخذ من نفس بيت الأسرة مسكناً، وإذا اتسع البيت ربما تجد أن ابنه أيضاً يتزوج وينجب متخذاً من نفس البيت مسكناً، مما يعني أنك قد تجد ثلاثة أجيال يعيشون معاً في بيت واحد، وهذه العادة خلقت نوعاً من الترابط بين أفراد الأسرة الواحدة.
كما وطدت الصلة بين الأجيال القديمة والجديدة وساهمت على نقل الأفكار والعادات والتقاليد بين الآباء والأبناء، وبما أن الجميع يعيشون على اتصال، فهم يلتقون أيضاً على موائد الإفطار والسحور بصورة يومية، حتى وإن لم تسمح الظروف للبعض منهم باللقاء خلال الأيام العادية.
التكافل الاجتماعي
وعن العلاقات بين الجيران خلال الشهر الكريم يقول د. المري: كان الجيران يعتبرون بعضهم البعض أسرة واحدة، وأعتقد أن المنطقة التي عشت ونشأت فيها تشهد تجمعاً كبيراً للأسر المواطنة، وبالتالي يسهم التقارب في العادات والثقافات في التفاعل الجيد.
وفي رمضان يحرص كل رب أسرة على مجاملة جاره بإهدائه طبقاً من أطباق وجبة الفطور، ومع اتساع دائرة تبادل الأطباق تجد أن مائدتك التي أعددت لها نوعاً أو نوعين من الطعام قد امتلأت بأنواع أخرى أهداها لك الجيران الذين بادرت إلى إهدائهم أحد أطباق مائدتك.
وهكذا، وهذا النوع من التكافل الاجتماعي لا يزال موجوداً في المناطق التي تحيط بنا مثل الخالدية والخان وغيرها من مناطق الشارقة، وعلى الرغم من مظاهر الحداثة والتطور التي تلقي بظلالها على المجتمع، أعتقد أن التكافل الاجتماعي سوف يظل أحد سمات مجتمع الإمارات لأنه جزء من تكوينه الأساسي منذ القدم وليس ظاهرة مستحدثة.
برنامج
وعن البرنامج اليومي له في أيام رمضان يقول د. خالد المري: في أيام الدراسة كنا نحرص على تناول وجبة السحور في وقت مبكر حتى يمكننا الاستمتاع ببضع ساعات قبل حلول موعد المدرسة، وبعد العودة كنت أحرص على شراء احتياجات البيت من لوازم المطبخ كنوع من المساعدة لوالدتي، ولأننا في منطقة اللية، فقد كنت أستقل العبرة من ضفتنا إلى الضفة المقابلة والتي كنا نطلق عليها الشارقة.
وأذكر أن جسراً صغيراً بُني في وقت لاحق لخدمة الأهالي، وبعد ذلك نجتمع على مائدة الإفطار ومن ثم نتوجه إلى المسجد لأداء الصلاة بداية من صلاة المغرب وانتهاء بصلاة التراويح، ثم يتوجه كل منا إلى لقاء مجموعته أو (ربعه) إذ كان لكل واحد منا كشاب مجموعة يتواصل معها ويقضي وقته ما بين الإفطار حتى يحين موعد السحور.
وكان البعض يفضل قضاء الوقت في الألعاب الشعبية التي عرفها جيلنا ويفضل البعض الآخر حضور مجلس من مجالس الكبار من أهل الحي، أو جلسات على الرمال خارج البيوت، خاصة في أجواء الشتاء التي تسمح بالاستمتاع بالطقس.
أيمن حجازي
