يحرص الصائمون في شهر رمضان على تبادل أصناف الطعام فيما بينهم، وهي عادة قديمة جداً من شأنها تعميق العلاقات والتواصل فيما بين الناس، كما اعتاد الجميع في رمضان على تفقد الفقراء والمساكين والمعدمين إما بإرسال الطعام إليهم أو ببعض المال الذي يعينهم ويكفيهم طيلة شهر الصوم.
وفي الإمارات تبرز هذه العادة، ويتعامل الناس فيما بينهم بطريقة جميلة تبين بأنهم يعرفون بعضهم البعض منذ سنوات طويلة، وبعض المقيمين في الدولة نقلوا معهم عادات توارثوها في بلدانهم من حيث إعداد أطعمة وحلويات خاصة لرمضان وغيرها.ولأن رمضان شهر الخير فالجميع يسعى إلى الحصول على الأجر فالبعض يسعى إليه من خلال ما ينفقه من مال على الفقراء والمساكين، والبعض يشاطر وحدة هؤلاء الفقراء بإرسال أصناف الطعام المختلفة إليهم، الأمر الذي يعمق العلاقة والمودة بين السكان، ولذلك فقد اعتاد الكثير من الناس على اقتطاع جزءاً من مائدة إفطاره وإرسالها إلى ناطور البناية ومن يعملون معه، وبعضهم يعد الطعام لهم والبعض الآخر يشتريه خصيصا لهم، كنوع من السؤال عنهم وتفقد لأحوالهم.
احترام للمشاعر
في رمضان هذا العام التقينا عددا من «نواطير» البنايات لمعرفة رأيهم فيما يرسله سكان بنايتهم من طعام إليهم، وكيف يساهم ذلك في تعميق علاقتهم مع سكان البنايات التي يعملون فيها، يقول نظام الدين محمد، الذي يعمل ناطورا لإحدى البنايات:
«أعمل في هذه البناية منذ سنوات وأعرف بعض سكانها بحكم الاختلاط اليومي معهم، وهم يحترمونني كثيراً، وفي رمضان اعتدت على تحضير إفطاري بنفسي ولكن بكميات صغيرة، لأن معظم سكان البناية يرسلون لي بعض الطعام ويكون بكميات كبيرة ويغلب على بعضها الأرز واللحم، لأن الجميع يعرف حبنا للأرز، وفي بعض الأحيان يرسلون مقبلات وحلويات.
وقد لا تصدق إن قلت في بعض أيام رمضان يكون لدي طعام يكفي لخمسة أشخاص، وأحيانا أقوم بدعوة أصدقائي للإفطار معي»، وأضاف: «أحب هذه العادة في رمضان لأنها تشعرني بأنني وسط عائلتي فالجميع في رمضان يسألون عنا، وهناك البعض يعطوننا بعض المال خاصة قبل العيد ويعتبرونها «عيدية» حتى نتدبر أمورنا ونساعد عائلاتنا».
طعام مختلف
من جهته قال محمد طالب إقبال، والذي يعمل في التنظيف: «منذ بداية رمضان وحتى نهايته لا يتوقف سكان البناية عن إرسال الطعام لي ولزميلي الذي يعمل معي في تنظيف البناية، وتقريبا في كل يوم يكون لدينا طعام من بلد مختلف، وبالنسبة لي أفضل الأكل العربي الذي أشعر بأنه يعد بطريقة جيدة، خاصة وأن بعض العائلات تقوم بتزيين الأطباق التي ترسل لنا، وتضيف عليها المكسرات وغيرها».
وتابع: «في بعض أيام رمضان أجتمع وبعض أصدقائي الذين يعملون في البنايات المجاورة وكل واحد منا يحضر الطعام الذي أعده أو الذي أرسل إليه من سكان بنايته، ونجلس معا على مائدة إفطار واحدة، وهذه الموائد تذكرني بموائد الإفطار التي تجمع أفراد العائلة جميعا».
اجواء
أما سيف الله خان، فقد قال: «أحب أجواء رمضان في الإمارات التي أعيش فيها منذ 12 عاما، وقد اعتدت على سكان البناية التي أعمل فيها واجد فيهم الرحمة وكل الاحترام، فهم يؤمنوني على بيوتهم وكل ما فيها، ولذلك أحرص عليها كأنها جزء مني، ولذلك فهم لا ينسونني في رمضان فبعضهم يرسل لي الطعام والحلويات بشكل يومي.
وبعضهم يرسل بعض المال كنوع من المساعدة، والبعض الآخر يخرج زكاة الفطرة لي، لأن معظم سكان البناية يعرفون أوضاعي المالية، ويعرفون بأنني مسؤول عن عائلتي الموجودة في باكستان».
وواصل: «الأجواء التي يشيعها سكان البناية في رمضان تشعرني بأيام رمضان التي قضيتها في بلدي بين أفراد عائلتي الذين يتبادلون أصناف الطعام المختلفة فيما بينهم، ولذلك ففي بعض أيام رمضان يجتمع لدي أصناف مختلفة الجنسيات».
تفقد الفقراء سمة حميدة خلال رمضان
لعل أكثر ما يحض عليه شهر رمضان المبارك هو تفقد الآخرين والشعور بالفقراء، ولهذا السبب فرض الله عز وجل علينا الصيام، وقد اعتاد المجتمع العربي منذ القدم على تفقد شريحة الفقراء والسؤال عنها ووصلها في شهر رمضان تحديدا وذلك بغية الحصول على الأجر والثواب.
وفي الإمارات يوجد عدد كبير من العمال والمساكين الذين يعملون في مهن شاقة برواتب بسيطة، ومن بينهم حراس أو «نواطير» البنايات الذين يسهرون على راحة السكان ويشرفون على نظافة البنايات، والى جانب رواتبهم فهم يحصدون مقابل خدماتهم على الكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة من السكان الذين يقطنون البنايات التي يعملون بها.
وفي رمضان اعتاد الكثير من سكان البنايات على اقتطاع جزء من طعامهم اليومي وموائد إفطارهم أو يعدون طعاما خاصا لصالح هذه الشريحة، وذلك كنوع من السؤال عنهم والإحساس بهم، وهو ما عزز من علاقة النواطير بسكان البنايات وزاد من علاقة الاحترام والمودة بينهم، فضلا عن إنها تعكس صورة جميلة عن الإسلام في ظل وجود عدد كبير من النواطير الذين لا يدينون بالإسلام
غسان خروب

