الإسلام في عيون المستشرقين

سلفستر دي ساسي.. شيخ المستشرقين

صورة

في هذة المقالات التي تقوم بنشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم. ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.

جعل باريس مركزاً للدراسات العربية واكتشف موهبة الطهطاوي... يعترف جميع المؤرخين على أن البارون أنطوان إيزاك سلفستر دي ساسي، هو الذي أسس الاستشراق بمعناه العملي،مثلما أسسه إدوار لين في انجلترا. ولعل من المفيد الإشارة إلى هذين البلدين ودورهما في إطلاق الاستشراق في العالم لأن الدولتين في طور التطور والتقدم نحو إنشاء فكرة الإمبراطورية، التي كانت بحاجة إلى الاستكشاف والمعرفة. لذلك ارتبط أسماء عدد من معظم المستشرقين بالدوائر السياسية بشكل أو بآخر.

وهذا ما أثار حول أعمالهم الشكوك والريبة وتهم التنصير وغيرها. أما بالنسبة للمستشرق سيسيل دي ساسي، فقد فضل الاهتمام بالأدب والنحو، مبتعدا عن الخوض في الدراسات الإسلامية. وفي الواقع، إن تأسيس كراسي جامعية لدراسة اللغات الشرقية ومنها اللغة العربية في جامعات باريس وأكسفورد وبولونيا وسلامنكا أثار كثيراً من الشكوك لجهة إمكانية استغلالها سياسياً ودينياً.

اللقاء برفاعة الطهطاوي ... وقد نجح سلفستر دي ساسي في جمع المخطوطات العربية الإسلامية في باريس، وعُين أول مدرس للغة العربية فيها، ومن ثم أصبح مديرا لها في عام 1824. كما كان أول رئيس للجمعية الآسيوية الفرنسية وهي الجمعية الاستشراقية التي تأسست في باريس سنة 1822 وكان يعتمد في دراساته على المختارات من النصوص الأدبية والدينية. وعكف سنوات طويلة لكي يجعل من باريس مركزا للدراسات العربية، وكان المستشرقون الأوربيون، وخاصة الألمان، يقصدون زيارته وطلب مشورته أو التتلمذ على يده. وتؤكد المعلومات أن الجغرافي جومار ودي ساسي هما اللذان اكتشفا موهبة الطهطاوي في اللغات والترجمة. فوجهاه نحو هذا الحقل من التثاقف، فكان امتحانه النهائي في عام 1930 عبارة عن تقديم مجموعة من الترجمات إلى اللغة العربية ـ شملت دراسات في التاريخ والسياسة والحقوق والأخلاق وعلم المعادن والطب والهندسة، كما شملت مواد امتحانه مخطوطته التي ذاع صيتها لاحقا، والتي وصف فيها باريس تحت عنوان «تخليص الأبريز في تلخيص باريس».

الثورة الفرنسية والاستشراق

يعود الفضل في تأسيس مدرسة اللغات الشرقية بباريس والتي ترأسها سلفستر دي ساسي، وتحلق حوله المستشرقون الألمان، إلى الثورة الفرنسية عام 1795 لمنافسة المؤسسات الجامعية البريطانية العريقة في الصراع على الشرق من خلال إنتاج خبراء بلغاته وشعوبه وتاريخه وجغرافيته.

ذلك أن إحياءه لمركز الأبحاث في باريس، التابعٍ لمدرسة اللُّغَاتِ الشرقية في وقت مبكر أي منذ عام 1796، جعل اللغويين الألمانُ يتوافدون إلى هذا المركز للاطِّلاعِ على اللغة السنسكريتية، منهم : الأخوان شليغل، وهمبولدت، وفرانز بوب وغيرهم. كما ساهم في تكوين فون هومبولت الذي تأثر به العالم الكبير تشومسكي، وأسس على أثره فلسفته في علم اللغة؛ متأثراً بالمدرسة الفرنسية في القرن السابع عشر.

ومن هنا برزت فكرة الدراسات المقارنة، ودشنها فرانز بوب. فيما ذهب دي ساسي إلى الاعتماد على كتاب النحو العربي للهولندي اربنيوس، بل ألف كتابا مدرسيا بعنوان «مختارات من أدب العرب»، تضمن نصوصا أدبية وتاريخية استخرجها من مخطوطات المكتبة الوطنية بباريس.

وقد ظل كتاباه هذان معتمدين «في النحو» و»المختارات» على مدى نصف قرن، مصدراً أساسياً في معرفة الثقافة العربية والتراث الإسلامي.

حتى حلت محلها الكتب التي ألفها تلامذته الألمان، أبرزهم: فلهالم فرايتاغ الذي عاد إلى بلده وألف المعجم العربي اللاتيني، الذي لا يزال مستعملا إلى اليوم، في حين قام غوستاف فليغل بنشر طبعة من القرآن الكريم، وأخرى من صحيح البخاري، وكتاب الفهرست لابن النديم وكتاب كشف الظنون لحاجي خليفة.

أما هانيرش فلايشر فقد أسس الجمعية الشرقية الألمانية. وألف فيشر مؤلفات عديدة في النحو وفقه اللغة، أبرزها المعجم التاريخي للغة العربية، والذي لا يزال يُعمل حتى اليوم. ويعود الفضل في ذلك كله إلى دي ساسي الذي نشّط فكرة البحث في الثقافة العربية والتراث الإسلامي.

كليلة ودمنة ومقامات الحريري

كان المستعرب سلفستر دي ساسي متضلعاً باللغة العربية وأول من نادى بتعملها بل ووجوب تعلمها بالنسبة للمستشرقين. وترجم عدداً من الكتب التراثية إلى الفرنسية منها: فريد الدين العطار، واحمد بن علي المقريزي، ومقامات الحريري، وحياة المتصوفة، وكليلة ودمنة، وترجمة الإنجيل إلى السريانية والعربية.

كما قام بترجمة كتاب «حياة الحيوان الكبرى» وهو أشهر مؤلفات كمال الدين الدميري، إلى اللغة الفرنسية.

وهي نسختان: صغرى: وكبرى، والمطبوعة هي الكبرى، وتمتاز عن الصغرى بإضافة المواد التاريخية وتفسير المنامات التي تقع فيها تلك الحيوانات. وتضم» 1069» مادة مرتبة على حروف المعجم.

كما ترجم كتب النحو والتجويد القديمة التي تدل على أنه اهتم بمناهج النحاة العرب وأعتبرها أساسية في عمله الاستشراقي. وكتب العلاّمة السوري ناصيف اليازجي (1800-1871) تعليقا نقديا عن طبعة سلفستر دي ساسي لمقامات الحريري سنة 1822.

ولم يكتف بتعلم عدد من اللغات السامية بل لجأ إلى قراءة حجر النصوص، حيث بدأ بفك رموز النص المكتوب بالخط الديموطيقي في عام 1802. (الديموطيقية، مشتق من الكلمة اليونانية «ديموس»، وهي أحد الخطوط المصرية القديمة التي استخدمت في تدوين النصوص الدينية، ونصوص تدريب الكتبة والرسائل والوثائق القانونية والتجارية لدى المصريين القدماء.

ظهر في القرن الثامن قبل الميلاد واستمر حتى القرن الخامس الميلادى، يمثل المرحلة الخطية الثالثة بعد الهيروغليفي والهيراطيقي. وقد كتب هذا الخط على مادتين رئيستين وهما البردى والاوستراكا «الشقافة»).

وتمكن من خلال ذلك التوصل إلى أماكن أسماء الأعلام في النصوص الديموطيقية بعد مقارنتها بالنص الإغريقي. ولقد كان التراث المصري على الدوام منبعاً ومصدراً للكثير من المستشرقين منذ القدم لينهلوا منه، أمثال « شامبليون الفرنسي» أول من استطاع أن يحل رموز اللغة الهيروغليفية. ودفع ذلك دي ساسي لدراسة أوراق البردي المكتوبة باللغة العربية.

كما عكف على ترجمة «الألفية» التي ذاع شهرتها في الأوساط العلمية الدولية ؛ فنشرها بالعربية، وطبعت في باريس سنة 1834، وفى القسطنطينية سنة 1887.

وكان أول من قدم بحثه في «جريدة العلماء» عام 1718 حول أصول «ألف ليلة وليلة» فاعتبره نصا منحولا لا يدل على أن أصل الكتاب مترجم من الفارسية، وقد استبعد في بحثه فكرة المؤلف الواحد، ورجح أن تكون قد كتبت في فترة قريبة من فترة اختلاط الثقافات الفارسية والهندية والعربية، وبذلك خالف المسعودي في الإشارة التي كتبها في «مروج الذهب» إلى أن ألف ليلة وليلة هي عبارة عن ترجمة لقصص فارسية تسمى «ألف خرافة».

وواصل شيخ المستشرقين الفرنسيين دراساته، ونشر أول دراسة حول «مقدمة ابن خلدون» في عام 1806، ونبه إلى أهمية العلم الجديد الذي ابتكره ابن خلدون، وترجم منها فصلان، ونشرها لأول مرة. وهو من بين المستشرقين القلائل الذين ترجموا شعر أبي بصير، الأعشى بن قيس، وأوفاه حقه في الجمع والشرح.

في سطور

سلفستر دي ساسي( 1758 ـ 1838) ولد في باريس وتعلم اللاتينية واليونانية ثم درس على بعض القساوسة منهم القس مور والأب بارتارو، ثم درس العربية والفارسية والتركية.

عمل في نشر المخطوطات الشرقية في مكتبة باريس الوطنية، وكتب العديد من البحوث حول العرب وآدابهم وحقق عدداً من المخطوطات.

عين أستاذا للغة العربية في مدرسة اللغات الشرقية الحية عام 1795 وأعد كتاباً في النحو ترجم إلى الإنجليزية والألمانية والدنمركية، وأصبح مديراً لهذه المدرسة عام 1833، وعندما تأسست الجمعية الآسيوية انتخب رئيساً لها عام 1822.

ومن أبرز اهتماماته «الدروز» حيث ألف كتاباً حولهم في جزأين، تحت «شرح عقيدة الدروز» الذي لفت به الانتباه إلى هذه الطائفة لدراساتها من قبل المفكرين والمؤرخين.

أصبحت فرنسا في عهده قبلة المستشرقين من جميع أنحاء القارة الأوروبية ويقول أحد الباحثين إنّ الاستشراق اصطبغ بالصبغة الفرنسية في عصره، عمل دي ساسي مع الحكومة الفرنسية وهو الذي ترجم البيانات التي نشرت عند احتلال الجزائر وكذلك عند احتلال مصر من قبل حملة نابليون عام 1797.

إضاءة

ومع احتلال نابليون لمصر، وفرنسا للجزائر عام 1830، بدأ فصل جديد مع تولي سلفستر دي ساسي شؤون المؤسسات الفرنسية للدراسات الشرقية، في الحقبة التي أصبحت فيها فرنسا زعيمة الاستشراق في العالم.

وفي حينها اقترح الجمعية الآسيوية التي دأبت على إصدار «المجلة الآسيوية» في عام 1822، فكان أول رئيس لها وقد أنجز تحقيق الكثير من الكتب في الآداب الشرقية والنحو العربي وتخرّج على يده عدد كبير من المستشرقين.

من آرائه

منذ أن التقيت برفاعة الطهطاوي القادم من مصر، توسمت فيه موهبة خاصة في تعلم اللغات والعلوم وقد أفادنا بمعرفته عن الثقافة العربية

قالوا عنه

يعتبر سلفستر دي ساسي المؤسس «العلمي» للاستشراق أمّا رينان فهو ممثل الاستمرارية، بمعنى الاستمرارية الأثرية إذا صحَّ التعبير، لأنها تستند إلى حفريات اللغة وبواطنها. فاللغة لدى رينان والفيلولوجيا «علمها»، هو العلمُ الدقيقُ للموجودات الذهنية.أدوارد سعيد

في عام 1785 عُين عضواً حراً في أكاديمية الفنون والآداب، التي سيقضي بها بعد ذلك ثلاثة وخمسين عاماً.

ولم يكن دي ساسي حتى ذلك الوقت مهتماً باللغة العربية. لكنه ما لبث أن تبينت له أهميتها بالنسبة إلى دراسة الكتاب المقدس وتاريخ الأديان. يقول دي ساسي» إن دراسة الآثار الأولى للدين، كانت الهدف الأول الذي دعا بعض العلماء إلى تكريس جهودهم للغة العبرية التي كتبت بها أقدم الوثائق من العصور الأولى للعالم. وبعد حين أدركوا ضرورة إضافة اللغة العربية إلى جانب اللغة العبرية.

فيما يتصل بالمصادر الأوربية التي ألفها باتنسه ولوكاس دي توي ورودريجو خيمينث، وفيما يتعلق بالمصادر العربية رجع إلى كتاب أخبار مجموعة « ونفح الطيب» للمقري، وتاريخ ابن خلدون، وسائر كتب التاريخ العربية التي تناولت موضوع فتح الأندلس.

ويدرس شخصية دون رودريجو ـ لذريق ـ في الكتب العربية، الملك القوطي الغربي، آخر ملوك إسبانيا، والذي هزمه طارق بن زياد. عبد الرحمن بدوي

مؤلفات

ــ مقامات الحريري 1822

ــ الألفية 1933

ــ كليلة ودمنة 1816

ــ قانون الملكية في مصر منذ الغزو العربي 1805-1818

ــ انطولوجيا النحو 1829

ــ عقيدة الدروز جزءان 1838

ــ مختارات أدبية عربية 1806

ــ مذكرات حول تاريخ العرب قبل محمد 1785

ــ تاريخ الآثار القديمة في بلاد فارس 1793

ــ مبادئ اللغة العربية 1799

ــ النحو العربي في مدرسة اللغات الشرقية الحية 1810

ــ مذكرات عن جبال كرمنشاه 1815

ــ مذكرات حول تاريخ الأدب الشرقي 1818

ترجمات

ــ فريد الدين العطار

ــ احمد بن علي المقريزي

ــ مقامات الحريري

ــ حياة المتصوفة

ــ كليلة ودمنة

ــ ترجمة الإنجيل إلى السريانية والعربية

شاكر نوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات