كانت ذاكرة خليفة السويدي ضابط التشريفات في جمارك دبي حاضرة في كل ما شهده خلال رمضان في الماضي، وكأنها تتمنى عودة هذه الأحداث من الماضي إلى الحاضر، لم يبذل جهداً يذكر أثناء روايته مظاهر رمضان خلال الفترات الماضية من حياته، مؤكداً على أن روح رمضان في الماضي لم تغب عن ذاكرته للحظة ويتمنى أن يعيشها مرات ومرات، ويتمنى عودة رمضان أيام (زمان أول).
يقول خليفة: بدأت الصوم عندما كان عمري 9 سنوات، وكانت العادات تقتضي أن يجتمع أفراد الأسرة على مائدة الإفطار في كل يوم، ولأنه كان يوم صومي الأول فلم أكن على دراية كافية بقواعد الصوم، وعندما اجتمع أفراد الأسرة حول مائدة الإفطار قبل موعد أذان المغرب بلحظات انتظاراً لانطلاق مدفع الإفطار، كنت أشعر بالفخر كوني استطعت إنجاز اليوم الأول من الصوم بنجاح.
كما تصورت أن هذا الاجتماع يعني أن نبدأ تناول الطعام، فرفعت كوب عصير (الفيمتو) وشربته دفعة واحدة، وعندما أعدت الكوب إلى مكانه لاحظت أن باقي الأكواب لا تزال في أماكنها لم يمسها أحد، فنظرت على استحياء إلى باقي أفراد الأسرة فوجدتهم جميعاً ينظرون نحوي بتعجب، ولكن بادر أحدهم وهو يبتسم إلى الشرح مؤكداً أن الإفطار مرهون بانطلاق المدفع.
على أن الوالد كان ذا فضل كبير في تشجيعي على الصوم، فقد كان يحرص على تعويدي على الصوم في سن مبكرة حتى يسهل ذلك علي إذا كبرت في السن وأصبحت شاباً، وكان دائماً ينصحني بأن من صام في الصغر كان أيسر عليه أن يصوم في الكبر.
أصدقاء الطفولة
يضيف السويدي أن «الصحبة» في أيام رمضان يساعدون على مرور وقت الصوم بسرعة، يقول: كان لدي أصدقاء منذ الطفولة أعتز بصداقتهم ولا زلنا على تواصل، منهم علي عبد الرحمن وجمال عبد الله، كنا نقوم بأنشطة كثيرة قبل الإفطار وبعد صلاة التراويح، كما جمعتنا الألعاب خلال نهار رمضان لأن أيام الطفولة تصادف أن رمضان كان يتوافق مع الإجازة الصيفية، فكان السهر إلى شروق الشمس يومياً إحدى عاداتنا الرمضانية المتأصلة.
وعن البرنامج اليومي خلال رمضان يذكر السويدي: بحكم سهرنا اليومي حتى الصباح كنا نتأخر في الاستيقاظ في اليوم التالي، وكان من مهامي اليومية شراء ما نحتاجه من مستلزمات لإعداد وجبة الفطور، وأذكر أن سيارة المخبز كانت تمر في الحي لتبيع الخبز.
وكنت سباقاً إلى شراء احتياجاتنا منه، ثم أشاهد بعض البرامج الدينية التي يبثها التليفزيون حتى موعد الإفطار، وبعد تناول الإفطار كنت أتوجه مع رفاقي إلى المسجد لأداء صلاة التراويح ثم نعود إلى البيت للإعداد الجيد للسهرة، وكانت السهرة تتضمن اللعب بالمفرقعات الصغيرة التي تأخذ أشكالاً مختلفة، وكان صوتها يشعرنا باختلاف الأيام التي تمر بنا عن باقي أيام السنة.
أيضاً أذكر أنني كنت حريصاً على تزيين دراجتي الهوائية بالأضواء والأوراق الملونة حتى إذا قضيت الصلاة انطلقنا بها في شكل جماعات مختلفة الأعمار والدراجات، وكنا كلما مررنا في فريج ورآنا أطفال ذلك الفريج سارعوا إلى تزيين دراجاتهم للانضمام لنا في اليوم التالي وهكذا اتسعت الدائرة لتشمل عشرات الأطفال والشباب.
ويضيف خليفة: في أيام قليلة كنت أتابع برامج التليفزيون خلال فترة ما بعد الإفطار حيث المسابقات والأسئلة ذات الجوائز وأذكر برنامج دولاب الحظ الذي يقدم أسئلة على شكل فوازير رمضانية، ولكن في أغلب الأيام كنت أذهب بصحبة الرفاق إلى الخارج للتمشية أو ركوب الدراجات حتى تبدأ خيوط الشمس في الظهور من خلف الأفق فنتوقف لمشاهدتها ولعل منظر الشفق في الصباح من أجمل المشاهد التي تذكرني بالشهر الكريم.
وللأيام العشر الأواخر من رمضان دائماً شكل مختلف كما يؤكد السويدي، يقول: كن كلما دخلت علينا الأيام العشر الأواخر من رمضان نكثف العبادات وقراءة القرآن ونخرج إلى الأسواق لاختيار أثواب العيد فيما يمكن أن نطلق عليه «هوس» الأطفال في التسوق خلال هذه الفترة، وكنت كغيري من الرفاق أحرص على تجهيز ملابس ونعال وعطر العيد والمحفظة خلال العشر الأواخر وأحفظها داخل الخزانة وطبعاً المحفظة كانت مهمة لأننا نجمع بها النقود التي يمنحنا إياها الكبار عندما ندور عليهم في البيوت بمناسبة العيد.
دورات رياضية
يبتسم السويدي وهو يتذكر الدورات الرمضانية التي أقيمت في الفريج وشارك بها، يقول: كنا أثناء مرحلتي الطفولة والمراهقة مغرمين بكرة القدم، ولكن في أحد مواسم الدورات الرمضانية اقترح أحد الجيران إقامة مباريات في الكرة الطائرة، وعلى الرغم من أن الفكرة في البداية لم تلق القبول الكافي لنجاحها.
إلا أنها نجحت واجتذبت العديد من الشباب حتى أنني التحقت بفريق الكرة الطائرة، وعلى ضوء الكشافات المضيئة في ليالي رمضان الجميلة استطاع فريقنا للكرة الطائرة انتزاع المركز الثاني في نهاية الدورة، ولكن أيضاً كان هناك ملعب مستقل لكرة القدم وكانت المباريات تشهد تنافساً حاداً بين الفرق.
أيمن حجازي
