أصاب «ماريو دي مارتينو» وفريقه الإحباط، عندما لم يعثروا على الزجاجة التي كتبوا أسماءهم داخلها على ورقة قبل عام، وألقوها في فتحة النيزك الضخمة في الصحراء المصرية.
كانوا أول من وصل إلى تلك الحفرة التي نتجت عن اصطدام نيزك بالأرض قبل 5000 عام، لهذا، وتخليداً للحظة، فقد كتب «ماريو دي مارتينو» وفريقه، من المعهد الوطني الإيطالي للفيزياء الفلكية، أسماءهم على ورقة، ووضعوها في زجاجة، وألقوها في الحفرة الواضحة المعالم، لكن هناك غيرهم زار تلك الحفرة، وأخذ الزجاجة.
لا تزال حفرة جبل كامل في الصحراء المصرية تحتفظ بمعالمها كاملة، ويعتبرها دي مارتينو كنزاً حقيقياً لندرتها، لهذا ينبغي حراستها، لا من أيدي العلماء، وإنما من أيدي تجار النيازك، الذين يسابقون العلماء والباحثين للحصول على بقايا تلك الصخور الفضائية، وبيعها في الأسواق العالمية، وبالتالي فإن الاهتمام بالنيازك مسألة تنتشر في جميع أنحاء العالم، غير أن الأهداف لذلك تتباين بين جماعة وأخرى.
لم تمض إلا أشهر قليلة على اختفاء الزجاجة، حتى كانت قطع من نيزك جبل كامل تباع في فرنسا، وعلى شبكة الإنترنت، وهذا سبب إحباطاً كبيراً لفريق مارتينو، فقطع النيازك المنهوبة تلك مهمة جداً للبحث، وتحتوي على معلومات لا تقدر بثمن، مثل حجم النيزك وخلافه.
هذه ليست المرة الأولى، التي يخسر فيها العلم لصالح التجارة الدولية في مجال النيازك، التي تمتد من أسواق المغرب، حتى موقع «إي بي» الشهير، ويسابق الباحثون المشترين لشراء تلك الحجارة الفضائية، لكن هذا لم يؤد إلى نتائج حسنة، حيث بدأت تلك التجارة بالازدهار أكثر، نتيجة إقبال عدد كبير من الباحثين على شراء قطع النيازك، ما يطرح تساؤلاً كبيراً حول منطقية تلك الخطوة من جانب الباحثين والعلماء.
وقد ازدهرت التجارة العالمية في مجال النيازك منذ عشرين عاماً، وسبب ذلك يعود إلى أن معظم الناشطين في هذا المجال، خصوصاً في أفريقيا، يعتبرون النيازك ملكاً مشاعاً، ومن الأسواق الشهيرة لتسويق وبيع تلك القطع المهمة سوق مدينة «إنسيشيم» الفرنسية.
وسوقي مدينة تكسون في ولاية أريزونا ومدينة دنفر في ولاية كولورادو بالولايات المتحدة، حيث يجتمع هناك عشرات من البائعين والمشترين وهواة جمع تلك القطع النادرة كل عام، وتتباين أسعار تلك القطع بحسب ندرتها، فهناك نيازك رخيصة سعر الغرام الواحد منها دولار واحد فقط.
وهناك عينات غالية جداً من القمر والمريخ، سعر الغرام الواحد منها ألف دولار، أي أنه أغلى بكثير من المعادن النفسية، مثل الذهب والألماس، وتحمل العديد من تلك القطع شهادات توثيقية من معهد أكاديمي علمي يدعى المعهد الفضائي، وكذلك من الجمعية العالمية لجامعي النيازك، حيث يرتبط هؤلاء جميعاً بميثاق شرف مهني، يحتم عليهم عدم بيع أو تبادل قطع فضائية مزيفة.
هذا العام، في سوق مدينة «إنسيشيم» الفرنسية، كان القسم الأكثر جذباً للاهتمام هو ذلك الذي يحوي قطع نيزك جبل كامل المصري، حيث شهد تجمعاً كبيراً من المشترين والمهتمين، ومن بينهم البروفسور «جون تي واتسون» من جامعة كاليفورنيا، الذي أقر بأن القطع التي اشتراها الباحثون كانت مهمة جداً للعلم، أما بالنسبة للتجار، فمن المهم لهم أن يتعاونوا مع أحد الباحثين، حتى يعينهم على التعرف على نوع القطعة التي بين أيديهم.
والأهم من ذلك قيمتها المالية، ومقابل هذه المساعدة يتبرع التاجر بعشرين غراماً من العينة لصالح الجامعات والمعاهد العلمية، وهذا ما يشجع الباحثين على التعاون مع التجار، ويقول فيليب بلاند، الباحث في مجال النيازك من جامعة إمبيريال كوليج البريطانية، إنه إذا لم يتعاون الباحثون مع التجار، فإن النيازك ستبقي بين أيدي التجار وحدهم، وفي هذا خطر كبير على العلم.