إذا قام أحدهم بشراء مجلة ما، فإنه بلا شك يكون قد أقدم على ذلك لأنه رأى الصورة على الغلاف، وقرأ الكلمات المكتوبة، لكن قرار شراء أي منتج، في نهاية المطاف، ينبع من منبع عاطفي، وهذا ما يؤكده العلماء والباحثون في المجال، لهذا عمدت مجلة «نيو سينتست».

في عددها الأخير، إلى إلقاء الضوء على تقنية تسمى «التسويق العصبي»، وهي عبارة عن تزاوج بين علم التسويق وعلم الأعصاب، بحيث يتم فيها استخدام تكنولوجيا التصوير الدماغي للتنصت على أدمغة البشر، وقد يجد المرء في هذا غضاضة، فليس من حق أحد أن يقرأ ما يدور في أدمغتنا، أو قد يرى المرء فيها شيئاً مضحكاً على اعتبار أن هذا غير ممكن من الناحية العلمية، غير أن الحقيقة أن علم الأعصاب أصبح اليوم جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه في عالم التسويق اليوم.

للتيقن من هذا، تم وضع مجموعة من قراء مجلة «نيو سينتيست» في غرفة معتمة في لندن، وتم توصيل أقطاب كهربائية من جهاز الأقطاب الكهربائية «إي إي جي» برؤوسهم، وتم عرض عدة تصاميم لأغلفة المجلات أمامهم.

تجربة

وقد أجرت «نيو ساينتيست» هذه التجربة بالتعاون مع الذراع الأوروبية لشركة التسويق العصبي «نيورو فوكس»، ومقرها مدينة بيركلي في ولاية كاليفورنيا الأميركية.

وكان الهدف منها رصد ردود أفعال مجموعة القراء، لكن بطريقة مختلفة كلياً عما سبق، حتى أن « توم نوبل»، خبير التسويق، يرى أنه على الرغم من أن حقل التسويق يشهد كل عام ابتكارات جديدة في هذا المجال، إلا أن التسويق العصبي أمر مختلف تماماً، وتحول جذري في ذلك المجال، حيث كان السوق، في السابق، يعتمد اعتماداً كبيراً على الاستطلاعات لتحديد توجهات المشترين ورغباتهم.

صحيح أن تلك الطرق التقليدية تتمتع ببعض نقاط القوة، إلا أنها تشترك جميعها بنقطة ضعف قاتلة، وهي أنها تعتمد على سؤال الناس حول ما يفكرون به، وهذا الأمر غير منطقي، بحسب نوبل، الذي يرى أن الناس لا يقولون دوماً ما يفكرون فيه، وهذا يسبب صعوبة كبيرة للقائمين على أبحاث واستطلاعات السوق.

استطلاع

عندما يتم استطلاع عينة من الناس، فإنهم يعمدون في الغالب إلى قول أمور يرون أن السائل أو الباحث يود أن يسمعها، أو إعطاء إجابات تظهرهم بمظهر إيجابي، كأن يدعوا أنهم يشترون السلعة الأغلى ثمناً لإظهار أنهم ارستقراطيون، أو ما شابه.

وبحسب غريغوري بيرنز، عالم الأعصاب الاقتصادي من جامعة إموري في ولاية أتلانتا الأميركية، فإن عملية صنع القرار عند الإنسان تتولد في اللاوعي، كما أن التجارب العديدة كشفت أن الناس، بشكل عام، لا يجيدون تبرير التفكير الذي سبب اختيارهم لصنف معين دون غيره، حتى أنهم في أحيان كثيرة، لا يدرون لماذا اختاروا هذا الصنف أو ذاك.

لهذا فإن علماء الأعصاب يستطيعون الآن استخراج تلك المعلومات المتعلقة بالخيارات من الدماغ، على عمق بعيد في اللاوعي، دون أن يطرحوا الأسئلة، وإنما يكتفون برصد الاستجابات اللاواعية، وترجمتها بالشكل المناسب، ولم يأت هذا السبق في لحظة، إنما استغرق عشر سنوات من البحث لتمكين العلماء من قراءة ما يدور في اللاوعي.

وتقول «ميرجا هيوبرت»، الباحثة في مجال رضا المستهلكين في جامعة «زيبلين» الألمانية، إن العواطف مهمة في عملية اختيار المنتج من جانب المستهلكين، فحتى القرارات المنطقية تستند إلى العاطفة، ولا يمكن لها أن تصدر بدونها.

وتضيف هيوبرت إن العواطف أساسية أيضاً فيما يسمى «الولاء للماركة»، وهو الولاء غير المنطقي لماركة معينة، وتفضيلها على ماركات مشابهة تماماً، دون معرفة الأسباب لذلك، وتثبت الأبحاث العلمية أن البشر يطورون في أنفسهم ولاءاً عاطفياً طويل المدى للماركات.

وترتبط تلك الماركات بمؤشرات عاطفية إيجابية لدى محبيها، حيث أنهم يحملون صورة جميلة عنها، بسبب الإعلان والدعايات، التي لا تسعى لتسويق المنتج على المدى القصير، بقدر ما تسعى لبناء ولاء لدى المستهلكين على المدى الطويل.

إعداد: يوسف جباعته