بعد أكثر من خمس سنوات على رحيل الكاتب السوري ممدوح عدوان صدر كتابه الجديد بعنوان (المتنبي في ضوء الدراما) (دار ممدوح عدوان ـ دمشق) وهذا ما يؤكد أن سمة (غزارة الإنتاج) التي كان يأخذها بعضهم على ممدوح عدوان في حياته، ستلاحقه حتى بعد رحيله أيضاً ... فبعد المسلسل الذي تابعناه في العام الماضي والذي كتبه قبل سنوات من رحيله بعنوان (الدوامة) نشرت أخبارٌ أيضاً عن مسلسل آخر قادم عن روايته (أعدائي) .

في هذا الكتاب يضع الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان (1941 ـ 2004) كل التصوّرات الجاهزة عن شخصيّة المتنبي، ليعطينا صورة أخرى مغايرة تماماً، استناداً إلى اجتهادات ودراسات ومرجعيات مختلفة اشتغل عليها لمدة سنتين بهدف رسم صورة درامية عن (مالئ الدنيا وشاغل الناس).

و أخضع هذه الشخصية للشرط الدرامي فخرج بنتيجة ملخّصها أنّ صورة المتنبي في أذهان محبيه ومبغضيه مختلفة كثيراً عن صورته الحقيقية.

هذا الكتاب (المتنبي في ضوء الدراما: دراسة واجتهادات) هو حصيلة الدراسات الطويلة والمعمقة التي قام بها ممدوح عدوان على شعر المتنبي وحياته إبان العمل على مشروع مسلسل (المتنبي) الذي قام عدوان بكتابته أواخر التسعينيات، وأنتجه تلفزيون أبو ظبي عام 2002.

لكن هذا المسلسل لم ينجح في تقديم الاجتهاد والحماس اللذين عمل فيهما ممدوح عدوان و الذي تولى الفنان سلوم حداد مهمة المنتج المنفذ له لصالح تلفزيون (أبو ظبي) تعاقب على إخراجه سبعة مخرجين.عدا عن الحذوفات الكبيرة التي تعرض لها النص في ظل هذه الفوضى الإنتاجية التي لم تحترم عظمة الموضوع وجهد الكاتب .

ولهذا السبب وضع ممدوح عدوان هذا الكتاب عن المتنبي ليقدم وجهة نظر يبدو أنها ضاعت وطمست في ثنايا النص الدرامي وليقدم للقارئ الحصيلة النظرية لعمله على إعداد نص درامي عن سيرة شاعر كبير كالمتنبي .

وقد تناول الكتاب صفات مختلفة عما عرف به المتنبي ابتداءً بصفة النحول الشديد التي ألصقت به استنادا إلى بيت الشعر الذي يقول فيه: (كفى بجسمي نحولاً أنني رجلٌ، لولا مخاطبتي إياك لم ترني) هي جزء من الصورة النمطية التقليدية إلا أنه لم يظهر كذلك في المسلسل ، حيث قام بالدور ممثل ممتلئ الجسم ثقيل الحركة! .

وأوضح ممدوح عدوان في كتابه كيف كانت موهبة المتنبي الاستثنائية سر كل معارك حياته، والتي أثيرت حوله بعد وفاته فكان له من الخصوم منذ أيامه حتى يومنا هذا، والذين لم يتركوا عيباً إلا ألصقوه به، فمن قائل بسرقته أشعاره من غيره، إلى المشهرّين بكونه ابن سقّاء، إلى المتحدثين عن بخله أو جبنه، إلى من يحاكمونه وفق معايير هذا العصر ليروا فيه مداحاً للملوك، انتهازياً متملقاً متسولا على أعتابهم.

ولكن شخصية المتنبي تظل إشكالية في مجالات أخرى غير مجالات الموهبة ولعل أكثر الاستنتاجات التاريخية التي قام بها ممدوح عدوان في هذا الكتاب براعة، هي تلك المتعلقة برواية مقتله...

فأورد المراجع التي روت رواية مقتله على يد فاتك الأسدي ويفند ما جاء فيها، ويرى أن القصيدة المنسوبة للمتنبي في هجاء (ضبة) بعيدة كل البعد عن جوهر شعر المتنبي الذي لم يحدث وهي أقرب في سويتها وبذاءتها إلى الشعر الذي هجاه به خصومه، الذين أرادوا أن ينقلوا المعركة معه إلى ميادين أخرى، فاستعدوا عليه قاطع طريق كي يقتله دون أن يحملوا وزر قتله .

جاءت هذه الدراسة التي تلخصت بكتاب ( المتنبي في ضوء الدراما- دراسة واجتهادات - )على ضوء السيناريو الذي كتبه قبل عدة سنوات عن المتنبي تصدرها لأول.

دمشق ـ رباب محمد