في هذة المقالات التي ينشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.

ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، التحق المجند، من الجيش الفرنسي مكسيم رودنسون بالكتيبة التي أرسلت إلى الشرق، فكان لبنان أول لقاء له بالعالم العربي. ومن هنا بدأت قصة حبه للثقافة العربية والحضارة الإسلامية.

وقد أصدر كتابه «الجندي المستعرب» الذي وصف فيه سنوات إقامته في لبنان. وبعد تسريحه، فضل البقاء في هذا البلد، فوجد وظيفة في تدريس اللغة الفرنسية في مدرسة تابعة لجمعية المقاصد الإسلامية في مدينة صيدا.

وهناك التقى بعدد من المفكرين والمثقفين، وحاورهم، ثم سافر إلى مصر وفلسطين للبحث عن الكتب القديمة. وكان الغرض من أسفاره وأبحاثه أن يمّد الجسور بين اللغات والثقافات والعلوم.

وقد وقف هذا المستشرق طيلة حياته مع القضايا العربية، ودافع عن استقلال الجزائر وأدان الاعتداء الثلاثي على مصر. وبعد نكسة يونيو 1967، مباشرة نشر مقالاً في صحيفة »لوموند» الفرنسية تحت عنوان «العيش مع العرب»، أدان إسرائيل لأنها استخدمت القوة مع العرب.

فكان لها الصدى الكبير على أوساط المثقفين الغربيين. كتابان هامان يرصدان سيرته الذاتية بقلم فيصل جلول وجيرار خوري إلا إنه لم يستلم تكريماً عربياً رسمياً.

رؤيته للاستشراق

أكد رودنسون في مقالته «صورة الغرب في تراث الإسلام» على أن ظهور مصطلح الاستشراق في اللغة الفرنسية بدأ في عام 1799بينما ظهر في اللغة الإنجليزية عام 1838، وهو بحاجة إلى »إيجاد فرع متخصص من فروع المعرفة لدراسة الشرق، بحاجة ماسة لوجود متخصصين للقيام على إنشاء المجلات والجمعيات والأقسام العلمية».

ولكنه لم يسلك الطريق التقليدي مثل معظم المستشرقين»، لذلك اختلفت رؤيته الاستشراقية عن جميع المدارس السابقة لأنه لم يتبع المدارس والنظريات السائدة.

كما لم يكن يؤمن بتوزيع العالم إلى شرق وغرب، بل إلى جماعات إنسانية وثقافات وبلدان وأقاليم، تشترك في القيم ذاتها. وقد ظل معظم الاستشراق الغربي محصوراً ضمن القوالب النمطية الجاهزة: شرق ـ غرب. ولذلك تم إنتاج عقلية مؤطرة بمفاهيم قديمة تعزز التقسيمات التي أقرتها الدوائر الاستعمارية. ولم يتوقف عند هذا الحد بل أراد أن يقّرب بين ضفتي المتوسط، والحوار بينهما.

وتركز أعماله على إمكانية تلاقي البشرية عبر الجسور المشتركة بينها، وهي كثيرة، ولعل بيئته اليسارية هي التي أنضجت رؤيته وجعلته يرى أبعد من الواقع. وذلك خرج على تقاليد الاستشراق السائدة، ومهد لمعالجة ذاتية، بمحمولات فكرية ولغوية، جامعاً بين الحس السياسي المفتوح والفكر العقلاني النقدي، بل انه مهّد لنظرية الاستشراق التي جاء بها ادوارد سعيد عندما حاول كسر محظورات الاستشراق الغربي المشتبه به لفترة طويلة. ولهذه الأسباب، يعتبر أكثر من مستشرق لأنه انخرط في معالجة القضايا السياسية والفكرية والإيديولوجية السائدة في الساحة.

ولعلّ كتاباته عن الحضارة العربية والإسلامية، ولا سيما كتابه عن الرسول محمد(ص)، التي جعلت منه باحثاً يضع العقلانية في أولوياته، تاركاً وراءه الأفكار اللاهوتية والدينية والإيديولوجية التي قادت إلى تخريب فكرة الاستشراق وأخرجته من مهماته الحقيقية.

فلم يكن رودنسون متميزاً في مدرسة الاستشراق الفرنسي التي حققت انجازات كبيرة، بل أضاف إليها البعد الماركسي العملي الذي استبعده معظم المستشرقين الغربيين، لذلك اختلف عن جاك بيرك ولوي ماسينيون وغوسيتاف لوبون وغيرهم.

ولعل أهم خصلة ميّزته عن بقية المستشرقين هي: العقلانية والحس النقدي والعنصر المادي. وقد أثرت هذه الرؤية على جيل كامل من الباحثين العرب الدارسين في جامعة السوربون حيث كان يلتقيهم سواء في أروقة الجامعة أو في المقاهي المحيطة بها أيام كان أستاذاً ومشرفاً على أطروحاتهم الجامعية.

فهم جديد للإسلام

كتب رودنسون عن علاقته الطويلة بالإسلام، حيث كرس عدداً من مؤلفاته القيمة من أجل فهم ظاهرة الإسلام، وما دفعه إلى ذلك الأفكار الخاطئة التي نسجتها المخيلة الغربية عن الدين الحنيف، والتي سادت منذ عهود الاستعمار الأوروبي.

وبدأ بدراسة الإسلام، بكتابه عن شخصية الرسول محمد(ص)، الصادر في عام 1961 ثم توالت كتبه «الإسلام والرأسمالية» 1966 و»الماركسية والعالم الإسلامي»1972 و«عظمة الإسلام» 1980 وغيرها من الكتب. وكلها تجسد منهجه العلمي والموضوعي في دراسته للإسلام الذي ارتبط به بعلاقة طيبة «كرست سنوات طويلة من حياتي لدراسة الإسلام والتاريخ الإسلامي والشعوب الإسلامية».

تميز كتابه «محمد» (ص) بأبعاده العميقة حيث تُرجم إلى العربية وطبع أكثر من مرة. والكتاب عبارة عن سيرة الرسول محمد(ص)، ربط فيه بين النص المقدس والواقع الاجتماعي ـ السياسي وأحداث العصر، ضمن الأوضاع السائدة في الجزيرة العربية في القرنين الخامس والسادس للميلاد.

وركز على اهتماماته المبكرة بالعدالة، وبالحسّ الأخلاقي، المستلهمة من الديانات السماوية التي سبقته وخاصة ديانة التوحيد الإبراهيمي. وفي كتابيه «جاذبية الإسلام» و«الإسلام والرأسمالية»، يناقش المستشرق الفرنسي الموضوعات الراهنة مثل الإرهاب والانقسامات السياسية والتشدد الإسلامي وغيرها.

ولم يتبع في كتابته طريقة تأويل النصوص بل مناقشة المشاكل الاجتماعية. وبذلك أعطى مفهوماً جديداً لدراسة الإسلام والاستشراق، وتجليات مبادئه عبر القرآن والسيرة النبوية. وكما يقول جيرار خوري، رفيق رودنسون، إن مساهمة هذا المستشرق وأبحاثه العميقة ساهمت إلى حد كبير في تعديل القراءة الطائفية للإسلام.

دفاعاً عن القضية الفلسطينية

لقد أثار التزام رودنسون بالدفاع عن القضية الفلسطينية حفيظة اليهود المتعصبين، فأطلقت عليه الصهيونية «اليهودي الكاره لنفسه» لأنه وقف مع عدالة القضية الفلسطينية، وقال بالحرف الواحد«أنتم تحتلون بلداً ليس بلدكم». وهم يحسبون لتصريحاته ألف حساب لأنه أولاً رجلاً من ديانتهم، ويتمتع بثقافته الموسوعية، وموهبته في إتقان ثلاثين لغة.

انحيازه إلى القضية الفلسطينية جعل الزمر الصهيونية تنقلب ضده وتتبرأ منه. ولكنه لم يتوقف عن دعمها بل أنشأ مجموعة الأبحاث والأعمال من أجل فلسطين.

كما نشر في مجلة «الأزمنة الحديثة»، التي كان يديرها الفيلسوف جان بول سارتر عشية حرب يونيو 1967،مقالة هامة تحت عنوان «إسرائيل.. فعل كولونيالي»، ثم أصدرها بكتاب مستقل فيما بعد. وهو بالإضافة إلى ذلك من أوائل الذين احتضنوا تجربة «مجلة الدراسات الفلسطينية» الصادرة بالفرنسية عام 1981.

جمع رودنسون خصالاً عديدة، فهو يساري، ويهودي معاد للصهيونية ومناضل ضد الاستعمار، ومدافع عن الحق الفلسطيني، ومطلع موسوعي على تراث الإسلام والثقافة العربية. وهيأته هذه القاعدة المعرفية إلى رفض مفهوم الاستشراق، الذي يوظف المعرفة في خدمة الاستعمار ومشاريعه التوسعية. وقد وقف ضد هذا المفهوم وفنده، ولم يمت بصلة إلى هذا الحقل الاستشراقي منذ بداياته الأولى.

شاكر نوري